والرواية الأولى أظهر دليلًا، لأن أحاديث هذه الرواية لا تقاوم تلك الأحاديث، وعلى تقدير مقاومتها فتحمل على أنه جعل ذلك بدلًا عن الإبل، وهذا ظاهر في حديث عمرو بن شعيب أذ أوله:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل إذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخصت نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين أربعمائة إلى ثمانمائة وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم". قال:"وقضى على أهل البقر [1] بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاة فألفا شاة" [2] وهذا ظاهر في أنه إنما كان يعتبر الإبل لا غير، بل هو نص في الذهب والورقة أنه كان يعتبرهما با لإبل، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - واقعة عين لا عموهم لها، إذ قوله:"جعل ديته اثني عشر ألفا"يحمل على أنها أصل ويحمل على أنها بدل. والاحتمالان متقابلان، وإذن يترجح احتمال البدلية لموافقته لما تقدم. والكلام على حديث عطاء كالكلام على حديث أستاذه - رضي الله عنهما -، وفعل عمر - رضي الله عنه - ظاهر في أن ذلك ظاهر على سبيل التقويم فهو مؤيد لما قلناه.
وأبو محمد - رحمة الله - يختار في العمدة قولًا رابعًا هو بعض الرواية الثانية وهو: أن الدية مائة من الإبل، أو ألف مثقال أو اثني عشر ألف درهم.
وهو ظاهر في الورق لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - إن صح، فإن فيه في رواية للترمذي:"أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثنى عشر ألفًا"وليس بظاهر في الذهب، لأن المعتمد فيه على حديث عمرو بن شعيب وفعل عمر وهما ظاهران أو صريحان في أن ذلك على سبيل التقويم.
(1) في نسخة"د":"أهل الورق".
(2) أخرجه أبو داود في الديات (16) .