حين الشروع في القتال لا يجوز الإدبار مطلقًَا إلا لتحرف أو تجيز إلى فئة، كما دل عليه قوله سبحانه: {إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار} [1] .
وقضية بدر يراد منها والمشركون إذ ذاك ثلاثة أضعاف المسلمين، مع أحاديث الفرار من الزحف.
ومفهوم آية الأنفال الناسخة تحمل على ما قبل الشروع، إذ المفهوم يكتفى فيه بمطلق المخالفة. انتهى.
وظاهر كلامه أنه يباح لهم الفرار والحال هذه وإن غلب على ظنهم الظفر وهو المعروف عن الأصحاب، عملا بإطلاق الآية الكريمة. ولأبي محمد في المغني احتمال بوجوب الثبات والحال هذه، لما فيه من المصلحة، وهو ظاهر كلامه في المقنع.
وظاهر كلام الشيرازي قال: إن كان العدو أكثر من مثلي المسلمين ولم يطيقوا قتالهم لم يعص من انهزم منهم؛ لأن الله عز وجل جعل الرجل منا بإزاء الرجلين منهم، فإذا صاروا ثلاثة جاز للمسلم أن ينهزم إذا خشي قهرهم. انتهى.
ولو غلب على ظنهم، والحال هذه الهلاك، فالفرار أولى حذارًا من كسر قلوب المسلمين، وإن غلب على ظنهم الهلاك في الثبات وفي الانصراف، فالأولى أن يقاتلوا ولا يفروا ولا يستأسروا لينالوا درجة الشهداء المقبلين على القتال محتسبين، ويسلموا من تحكم الكفار عليهم، ولجواز أن يغلبوا، قال الله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [2] . ويجوز لهم
(1) الآية 15 من سورة الأنفال.
(2) الآية 249 من سورة البقرة.