إذ ما يجب على العبد إنما يؤديه السيد. ومفهوم كلام الخرقي أن السيد إذا كان ذميًا وجبت عليه الجزية عن عبده، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لعموم:"خذ من كل حالم دينارًا". ونحوه. مع انتفاء المحذور المتقدم. والرواية الثانية، وهي اختيار أبي بكر والقاضي وأبي محمد: لا يجب عليه أيضًا، كما لو كان السيد مسلمًا؛ لأن العبد محقون الدم فأشبه المرأة والصبي، أو لا مال له، فأشبه الفقير، ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا جزية على العبد". وقد قال ابن المنذر: أن هذا مما أجمع عليه كل من يحفظ عنه من أهل العلم.
(قال) : ومن وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه.
(ش) : الجزية تجب بحلول الحول فإذا أسلم الذميّ بعد حلول الحول فقد وجبت عليه الجزية، فإن لم تكن أخذت منه سقطت عنه لعموم قول الله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [1] . وقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الإسلام يجب ما قبله" [2] . ويؤيد دخول ذلك في العموم أن الجزية عقوبة سببها الكفر فسقطت بالإسلام كالقتل. وخرج بذلك الديون فإن سببها ليس هو الكفر، فلذلك لا تسقط بالإسلام. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليس على المسلم جزية" [3] . رواه الترمذي وأبو داود وهذا لفظه. وقد فسّره سفيان الثوري بما قلناه، قال ما معناه: إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت عليه الجزية بطلت عنه.
"ويروى أن ذميًا السلم فطولب بالجزية، وقيل له: إنا أسلمت تعوذًا قال: إن في الإسلام معاذًا. فرفع إلى عمر رضي الله عنه. فقال عمر: إن في الإسلام معاذًا،"
(1) الآية 38 من سورة الأنفال.
(2) أخرجه الإمام أحمد في 4/ 199، 204، 205.
(3) أخرجه أحمد في 12/ 223، 285، والترمذي (11) .