بحيث لا يخرج شيء منه عنها، وحكم من كان بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم حكم من كان بمكة لأن قبلته بمتيقنه الصحبة، وإن كان غائبًا عن الكعبة أو عن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ففرضه الاجتهاد إلى جهة الكعبة على المشهور من الروايتين، واختاره الخرقي، والشيخان وغيرهما، لما روى أبو هريرة - ر ضي الله عنه - قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين المشرق والمغرب قبلة" [1] . رواه ابن ماجة، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا" [2] وهذا يدل على أن ما بينهما قبلة. والرواية الثانية: يجب الاجتهاد إلى عين الكعبة، اختاره أبو الخطاب في الهداية لما روى ابن عباس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت ثم خرج، فركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال هذه القبلة" [3] متفق عليه. فعلى هذه الرواية من تيامن أو تياسر عن سوء اجتهاده بطلت صلاته. وعلى الثانية لا يضر ذلك ما لم يخرج عنها. ويستثنى من قوله: وإن كان غائبًا، إذا كان بالقرب منها، كمن بمكة أو قريب منها. والحائل بينهما حادث كالدور ونحوها، فإن فرضه تيقن إصابة عينها، أما بنفسه كمن نشأ بمكة أو بخبر عالم بذلك [4] لغيره. والله أعلم.
(1) (أخرجه الترمذي في المواقيت(139) والنسائي في الصيام (43) ، وابن ماجة في الإقامة (56) ، والإمام مالك في الموطأ في القبلة (8) .)
(2) أخرجه البخاري في الوضوء (11) وفي الصلاة (29) ، وأخرجه مسلم في الطهارة (59) ، وأبو داود في الطهارة (4) ، والترمذي في الطهارة (6) ، والنسائي في الطهارة (19، 60) ، وابن ماجة في الطهارة (17) .
(3) أخرجه مسلم في الحج (395) ، والنسائي في المناسك (127، 131، 132، 133) ، والإمام أحمد في 5/ 201، 208، 209، 210.
(4) (قال بعض الأصحاب: الناس في استقبال القبلة على أربعة أضرب: الأول: من يلزمه اليقين، وهو من كان معاينًا للكعبة، أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالحيطان ففرضه التوجه إلى عين الكعبة. الثاني: من فرضه الخبر، وهو من كان بمكة غائبًا عن الكعبة من غير أهلها.
الثالث: من فرضه الاجتهاد، وهو من عدم الحالتين السابقتين وهو عالم بالأدلة. الرابع: من فرضه التقليد وهو الأعمى. (المغني والشرح الكبير: 1/ 456) .)