التيمم، ثم في التيمم يجب الاستيعاب، فكذلك في مسح الرأس.
ولأنه صلى الله عليه وسلم مسح جميع رأسه، وفعله وقع بيانًا لكتاب ربه سبحانه، وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من أنه مسح مقدم رأسه محمول على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسرًا في الصحيح في حديث المغيرة بن شعبة [1] وموقع الباء - والله أعلم - إلصاق الفعل بالمفعول إذ المسح إلصاق ماسح بممسوح، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برؤوسكم، أي المسح بالماء. وهذا بخلاف ما لو قيل: امسحوا رؤسكم، فإنه لا يدل على أنه ثم شيء ملصق كما يقال: مسحت رأس اليتيم وما قيل إن الباء للتبعيض فغير مسلم دفعًا للاشتراك ولإنكار الأئمة. قال أبو بكر عبد العزيز: سألت ابن دريد، وابن عرفة عن الباء تبعض. فقالا: لا نعرف في اللغة أنها تبعض. وقال ابن برهان من زعم أن الباء تفيد التبعيض، فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه. وأما قوله سبحانه وتعالى: {يشرب بها عباد الله} [2] فمن باب التضمين. والله أعلم. فكأنه قيل: يروى بها عباد الله. وكذلك قول الشاعر:
* شربن بماء البحر *
والثانية: الواجب مسح البعض. وقد فهم دليل ذلك مما تقدم من أن الباء تبعض. ومما روي من أنّه صلى الله عليه وسلم مسح البعض [3] .
(1) فقد روي:"أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته". أخرجه النسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب المسح على العمامة مع الناصية: 1/ 76 ولفظه:"... عن حمزة عن المغيرة بن شعبة عن أبيه قال: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه فلما قضى حاجته قال: أمعك ماء فأتيته بمطهرة فغسل يده وغسل وجهه ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة فألقاه على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه".
(2) الآية 6 من سورة الإنسان.
(3) قال أبو الحارث: قلت لأحمد: فإن مسح برأسه وترك بعضه؟ قال يجزئه. (انظر المغني والشرح الكبير: 1/ 111) .