والاتجاه الثالث: ينحو هذا المنحى في ترتيبها: (ق غ خ / ك) .
ويبدو أن الفصل بين مخرج القاف، ومخرج الغين والخاء أمر غير يسير، وليس في أيدينا من الوسائل الآن ما يمكن أن نحدد من خلاله موقع القاف منهما. وكل ما تهدينا إليه الملاحظة الذاتية الآن هو أن نحافظ على ترتيب علماء العربية وعلماء التجويد لهذه الحروف الثلاثة، مع احتمال كبير في أن يكون للهاة دور في إنتاج الغين والخاء إلى جانب الجزء الأعلى من الحلق، وهو ما يعبر عنه بأدنى الحلق من الفم. وهذا ينطبق على الاتجاه الأول كما أنه لا يبتعد عن الاتجاه الثالث إذا اعتبرنا أن (ق غ خ) تخرج من مخرج واحد.
أما الاتجاه الثاني الذي يجعل مخرج القاف من اللهاة، ومخرج الحروف الثلاثة الأخرى من أقصى الحنك إلى الأمام من مخرج القاف فإن الملاحظة الذاتية تدلنا على عدم دقته وذلك لاستحالة الجمع بين الكاف والغين والخاء في مخرج واحد، وهي ملاحظة تنبني على أساس مما ذكره سيبويه في الكتاب، وهو أمر غفل عنه الدارسون المحدثون الذين أخذوا بهذا الاتجاه، قال سيبويه، وهو يتحدث عن القاف وأنها من أقصى اللسان، ولم تنحدر انحدار الكاف إلى الفم، بل تصعدت إلى ما فوقها من الحنك الأعلى: «والدليل على ذلك أنك لو جافيت بين حنكيك فبالغت ثم قلت: قق قق، لم تر ذلك مخلا بالقاف، ولو فعلته بالكاف وما بعدها من حروف اللسان أخل ذلك بهن» [1] .
وعند تطبيق هذه التجربة المبنية على الملاحظة الذاتية نجد أن الكاف تختفي فلا يمكن أن ننطق بها مع فتح الفم إلى أقصاه، وهو ما عبر عنه سيبويه بقوله: (جافيت بين حنكيك) ، ويمكن في نفس الوقت نطق القاف والغين والخاء، وهذا يدل على أن مخرج الغين والخاء ليس قريبا من مخرج الكاف، وإلا اختل كما اختل مخرج الكاف.
ويبقى بعد ذلك أمر القاف والغين والخاء متداخلا إلى حد كبير، ولكن يترجح لديّ أن الغين والخاء أعمق من القاف، وأن مخرجهما يحاذي التجويف الحلقي، بينما يحاذي مخرج القاف أقصى الحنك الأعلى، ولنا في موقف القراء من إخفاء النون قبل هذه الحروف الثلاثة دليل على ما نحن بصدده، فأكثر القراء يظهرون النون قبل الغين والخاء، ولم يخفها معهما إلا نفر قليل جدا من القراء [2] . بينما لم يختلف في وجوب إخفاء النون قبل القاف. وهو أمر قد
(1) الكتاب 4/ 480.
(2) انظر: الداني: التحديد 20و. وعبد الوهاب القرطبي: الموضح 178و.