فالضاد القديمة كانت من مخرج مستقل ليس له علاقة بمخرج (ط د ت) ، وكانت رخوة كما سنشير في الفقرة الآتية من هذا المبحث، ولم يكن في العربية صوت منفتح مقابل لها، لأنها كما يقول سيبويه إذا أزيل عنها الإطباق خرجت من الكلام.
ومما يدل على أن الطاء العربية القديمة المجهورة كانت صوتا يشبه صوت الضاد في نطق أهل مصر اليوم أن بعض العلماء المتأخرين مثل علي بن محمد بن خليل المعروف بابن غانم المقدسي (ت 1004هـ) ، ومحمد المرعشي الملقب ساج قلي زاده (ت 1150هـ) وصفوا نطق أهل مصر للضاد في زمانهم أنه يشبه الطاء قال المقدسي: «لما رأيت بمحروسة القاهرة التي هي زين البلاد كثيرا من أفاضل الناس فضلا عن الأوغاد يخرجون عن مقتضى العقل والنقل في نطق الضاد فليعلم أن أصل هذه المسألة أنهم ينطقون بالضاد ممزوجة بالدال المفخمة والطاء المهملة» [1] . وقال أيضا: «أما هذا الحرف الذي يشبه الدال المفخمة والطاء المهملة الذي ينطق به أكثر المصريين ولنسمّه بالضاد الطائية» [2] . وقال المرعشي:
«فما اشتهر في زماننا هذا من قراءة الضاد المعجمة مثل الطاء المهملة فهو عجب لا يعرف له سبب ومنهم من يخرج الضاد المعجمة طاء مهملة كالمصريين أقول: قراءة الضاد المعجمة مثل الطاء المهملة فيها مفاسد» [3] .
ومما يدل أيضا على أن صوت الطاء العربية القديمة المجهورة كانت دالا مطبقة مثل صوت الضاد في نطق أهل مصر اليوم، أن بعض المحدثين ذكر أن الطاء العربية القديمة (الدال المطبقة) لا تزال تسمع في بعض البلدان، مثل جنوبي الجزيرة العربية، حيث يقولون (مضر) يريدون (مطر) و (قضعت ورقة) يريدون (قطعت ورقة) [4] . ينطقون بالطاء ضادا مثل التي تنطق في مصر اليوم.
ولكن متى تم ذلك التحول في نطق الطاء؟ هذا الموضوع يحيط به الغموض، فليس لدينا نصوص تؤكد لنا ذلك التحول أولا، وتوضح لنا مراحله ثانيا. فكان سيبويه قد ذكر من بين
(1) بغية المرتاد 1ظ.
(2) بغية المرتاد 4و.
(3) جهد المقل 20ظ 21و.
(4) أ. شاده: علم الأصوات عند سيبويه وعندنا، صحيفة الجامعة المصرية، السنة الثانية 1931العدد الخامس ص 13، وإبراهيم أنيس: الأصوات اللغوية ص 63، وجان كانتينو: دروس ص 5150.