وهناك مع ذلك تداخل بين حروف الإطباق وحروف الاستعلاء، وهناك صفة مشتركة تجمع بينهما، ترتبت على الوضع الذي يتخذه اللسان في أثناء النطق بهذه المجموعة من الأصوات وهي صفة التفخيم. قال محمد المرعشي: «والتفخيم في الاصطلاح عبارة عن سمن يدخل على جسم الحرف فيمتلئ الفم بصداه. والتفخيم والتسمين والتجسيم والتغليظ بمعنى واحد. والترقيق عبارة عن نحول يدخل على جسم الحرف فلا يمتلئ الفم بصداه. وحروف الاستعلاء كلها مفخمة، ولا يجوز تفخيم شيء من حروف الاستفالة إلا الراء واللام في بعض أحوالهما. وسيجيء بيان ذلك، وإلا الألف المدية فإنها تابعة لما قبلها ثم اعلم أن التفخيم لازم للاستعلاء، فما كان استعلاؤه أبلغ كان تفخيمه أبلغ، فحروف الإطباق أبلغ في التفخيم من باقي حروف الاستعلاء وبالجملة إن قدر التفخيم على قدر الاستعلاء والإطباق» [1] . ويذهب كثير من علماء التجويد إلى اعتبار الترقيق والتفخيم من الأحكام التي تخص الأصوات في حالة التركيب، ولذلك سوف أكتفي هنا بتوضيح العلاقة بين الإطباق والاستعلاء والتفخيم، وأعود في الفصل القادم إلى تفصيل أحوال الأصوات المفخمة إن شاء الله تعالى.
وكان بعض علماء التجويد قد أدركوا التداخل والعلاقة الوثيقة التي تربط الإطباق والاستعلاء والتفخيم، حتى قال عبد الوهاب القرطبي: «إن التفخيم والإطباق والاستعلاء من واد واحد» [2] . وكرر مرارا (أن التفخيم نظير الإطباق) [3] و (أن الاستعلاء نظير الإطباق) [4] .
وقال عبد الوهاب القرطبي أيضا: «فصار التفخيم في كونه انحصار الصوت بين اللسان والحنك نظير الاستعلاء والإطباق، ولهذا أثر الاستعلاء في الإمالة والترقيق فمنعها لأنه ضد.
والفرق بين الاستعلاء والإطباق وبين الترقيق والتفخيم أن الاستعلاء يلزم حروفه فلا يزول عنها وكذلك الإطباق، بخلاف الترقيق والتفخيم فإنهما يتعاقبان على الراء واللام كالإمالة والتفخيم في الألف» [5] . ويعني عبد الوهاب القرطبي بحروف الترقيق والتفخيم هنا اللام والراء، أما حروف الاستعلاء فإنها ملازمة للتفخيم.
(1) جهد المقل 15ظ 16و.
(2) الموضح 180و.
(3) الموضح 180ظ، 181و.
(4) الموضح 182و.
(5) الموضح 162و.