امتد الصوت به مقدارا أكثر من المد الأول، كقولك: يجيء، ويسوء، ويشاء، ودابّة، ويطيب بكر، وتمودّ الثوب، وفي الكتاب العزيز {تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} [الزمر: 64] تمد الواو لأجل التشديد».
«فإذا تفاوت مقدار هذه الحروف في المد والزيادة، وخالفت في ذلك غيرها من الحروف جاز أن تخالفها أيضا في النقصان بأن يقال إن الحركات أبعاضها، وإن لم يوجد ذلك في غيرها، وجاز أن تسمى الضمة الواو الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والفتحة الألف الصغيرة، على ما ذهب إليه بعضهم» .
«وأوضح من هذا أن الحركة يقدّر تجزّؤها في الإشمام والروم والإشارة إلى الضم والكسر وإذا كان التجزؤ يقدّر في الحركة فتقديره في الحرف أولى» [1] .
وناقش مكي بن أبي طالب قضية تدور حول الاختلاف في حروف المد واللين والحركات الثلاث أيهما مأخوذ من الآخر، وعقد لذلك بابا استغرق عدة صفحات، ناقش فيه مذاهب العلماء في هذا الموضوع، وذكر أن أكثر النحويين يذهبون إلى أن الحركات الثلاث مأخوذة من حروف المد. وذهب قوم إلى أن حروف المد مأخوذة من الحركات الثلاث، بينما قال بعض أهل النظر: ليست هذه الحروف مأخوذة من الحركات الثلاث، ولا الحركات مأخوذة من الحروف. وقال مكي عندئذ: «وهو قول صحيح إن شاء الله تعالى» [2] .
ونقل مكي في أثناء ذلك أدلة كل فريق من العلماء، وهي تكشف عن إدراك كامل للعلاقة بين هذه الأصوات ولخصائصها، ولكن فكرة تحديد الأصل والفرع ليست ضرورية هنا، فيكفي أن ندرك ذلك الترابط وتلك العلاقة التي تجمع بين الأصوات الذائبة، من غير الإصرار على تعيين أيها أخذ من الآخر، وذلك لأن الواقع يوضح أن كل صوت من الأصوات الذائبة قصيرا كان أم طويلا يمثل إمكانية من إمكانيات الجهاز النطقي عند الإنسان، وأنه يمكن أن نقول أن بعض هذه الأصوات ينتج بطريقة تماثل إنتاج صوت آخر، وإن الاختلافات بين الاثنين هو الكمية مثلا، فلو قصّرنا الصوت الطويل لأدّى إلى القصير، ولو طوّلنا القصير لأدّى إلى الصوت الطويل.
وكان بعض علماء التجويد قد أدركوا على نحو دقيق أن الاختلاف بين كل من الفتحة
(1) الموضح 150و 150ظ
(2) انظر: الرعاية ص 8481.