وقد نقلت هذا النص على طوله، مع ما فيه من غموض في إمكانية قراءة بعض الكلمات، لأنه نص عزيز يعرض فكرة جديدة متميزة، إذ يتضح من هذا النص أن وجه التقابل بين السكون الحي والسكون الميت ليس قائما على أساس قابلية السكون الحي للحركة وعدم قابلية السكون الميت لها، كما هو المتبادر إلى الذهن، وإنما هو قائم على أساس طبيعة مخرج الصوت في أثناء مرور النفس به. فجميع الأصوات الجامدة سكونها حي، لعمل أعضاء آلة النطق في مخارجها، إما بسد مجرى النفس بالكلية ثم إطلاقه، وذلك في الأصوات الشديدة، وإما بتضييق مجرى النفس عند مخرج الصوت، وذلك في الأصوات الرخوة. أما حروف المد فسكونها ميّت لأن أعضاء آلة النطق لا تعترض مجرى النفس عند إنتاجها بسد ولا تضييق، وإنما تكون (كالأنبوب) ، كما يقول ابن الطحان.
ولخص القسطلاني فكرة تقسيم السكون إلى حي وميّت، من غير أن يخرج على أصل الفكرة، ومن غير أن يضيف إليها شيئا جديدا، وذلك حيث قال: «وأما السكون فنوعان: حي وميت. فالثاني الألف وأختاها، لأنهن لا حيّز ولا مقطع لهن محقق، فإن انفتح ما قبل الواو والياء فسكونهما حي، لأخذ اللسان الياء، والشفتين الواو، كسائر الحروف، فكما تجد الجيم التي هي أخت الياء في مخرجها قد أخذها اللسان، في قولك: رميت [1] ، كذلك تجد الواو قد أخذتها الشفتان في قولك: عفوت» [2] .
وإنه لأمر عجب ألّا نجد نصوصا أخرى تتعلق بفكرة تقسيم السكون إلى حي وميت، وإني أتوقع ألا يكون ابن الطحان هو أول من شرح هذه الفكرة، كما أن القسطلاني ليس الوحيد الذي تحدث عنها بعد ابن الطحان، وأعجب من ذلك أن سيبويه تحدث عن قضية أعتقد أنها هي أصل تلك الفكرة لدى علماء التجويد، ولكن أحدا لم يشر إليها ولا تحدث عنها بعد سيبويه من القدماء ولا المحدثين، بقدر ما اطلعت عليه من المصادر.
يذهب سيبويه إلى تقسيم الألف والواو والياء إلى حية وميتة. وهو يريد بالحية (المتحركة) ، وبالميتة (الساكنة) ، ومن ثم كانت الألف ميتة لأنها لا يفارقها السكون، قال:
«وإنما جسروا على حذف الألف لأنها ميتة لا يدخلها جر ولا رفع ولا نصب» [3] . وقال سيبويه
(1) لا تخلو هذه العبارة من الاضطراب: ولعل تصحيفا أخل بها، أو سقط منها شيء، ومع ذلك فالمعنى واضح، لا يخفى أنه يريد: أخذ اللسان الياء في قولك: رميت.
(2) لطائف الإشارات 1/ 187.
(3) الكتاب 3/ 356و 423.