الأمثلة التي تشبهه بأنه إدغام قول صحيح. وقول علماء التجويد بأنه إدغام ناقص قول دقيق وصائب، لبقاء شائبة إطباق في النطق. وتفسير ذلك أن الطاء والتاء من مخرج واحد وأن الطاء يتميز عن التاء بالإطباق، والقراء يحرصون على عدم الإجحاف بهذه الصفة، ويتحقق لهم ذلك مع حصول الإدغام الذي يهدف إلى الاقتصاد بالجهد، ويتم ذلك بأن يشرب حبس النفس صوت الإطباق، وهو يمثل صوت الطاء، ويعدم الإطباق في الجزء الثاني من الصوت وهو إطلاق النفس الذي يمثل صوت التاء. فالصوت الناتج من إدغام الطاء في التاء يتألف، فيما يبدو لي، من نصف طاء، ونصف تاء، مع مكوث أطول بين حبس النفس وإطلاقه، فقول علماء التجويد أن هذا إدغام ناقص قول له ما يسوغه من ناحية النطق لبقاء بعض صفات الصوت الأول الذي يجب أن يفنى في الصوت الثاني لو كان إدغاما كاملا خالصا.
وإذا وقعت القاف الساكنة قبل الكاف في مثل (نخلقكم) من قول الله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مََاءٍ} [المرسلات: 20] فإن بعض القراء يدغم القاف في الكاف إدغاما محضا لا يبقى للقاف معه أثر، ويصير النطق (نخلكّم) بكاف مشددة. مثل إدغام الطاء في التاء في (أحطت) إدغاما كاملا، فيكون النطق (أحتّ) بتاء مشددة، وبعض القراء يدغم القاف في الكاف مع إبقاء صفة الاستعلاء التي يتصف بها القاف، فيكون حينئذ إدغاما ناقصا ينطبق عليه ما ذكرناه مع إدغام الطاء في التاء مع إبقاء صفة الإطباق. قال ابن الباذش: «وأنت مخيّر في إبقاء الصفة مع الإدغام أو إذهابها، وكأن إجماعهم على إبقاء الإطباق في (أحطت) يقوّي إبقاء الاستعلاء هنا، وكلا الوجهين مأخوذ به، والله أعلم» [1] .
قال ابن الجزري: «فأما إذا كانت ساكنة قبل الكاف كما هي في قوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ} فلا خلاف في إدغامها، وإنما الخلاف في إبقاء صفة الاستعلاء مع ذلك، فذهب مكي وغيره إلى أنها باقية مع الإدغام كهي في أحطت وبسطت [2] . وذهب الداني وغيره إلى إدغامه إدغاما محضا [3] . والوجهان صحيحان» [4] .
فمذهب من أدغم القاف في الكاف مع إبقاء صفة الاستعلاء في القاف يكون من باب الإدغام الناقص الذي يبقى معه للحرف الأول بعض صفاته. وهو في ذلك نظير الإدغام في
(1) الإقناع 1/ 186183.
(2) الرعاية ص 145.
(3) التحديد 27ظ 28ظ.
(4) النشر 1/ 221. وانظر: المرعشي: جهد المقل 27و.