فهرس الكتاب
والتعمل في بيان النون الساكنة والتنوين عند الهمزة هو لأجل ألا تسقط، لا خشية الإخفاء كما في الغين والخاء، وذلك لأن ورشا كان يلقي حركة الهمزة على الساكن قبلها فيتحرك بحركتها وتسقط هي من اللفظ، وذلك إذا كان الساكن غير حرف مد ولين، وكان آخر كلمة والهمزة أول كلمة أخرى، فالتنوين مثل {كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] و {مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللََّهَ} [نوح: 32] ، والنون الساكنة مثل {مَنْ آمَنَ} و {مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن:
54] [1] . فيكون النطق على قراءة ورش (كفون حد) . و (من ستبرق) . ولهذا نجد عبد الوهاب القرطبي يقول: «إن إخفاء النون عند الهمزة مستحيل غير ممكن، ولو تكلف متكلف ذلك لسقطت حركة الهمزة على النون وذهبت الهمزة. وإخفاؤها عند العين والحاء والهاء كذلك، ولو أمكن لأمكن مع قبح، وإخفاؤها مع الغين والخاء ممكن مستحسن فجاز معهما أعني الغين والخاء الإظهار والإخفاء، وامتنع الإخفاء ووجب الإظهار فيما عداهما» [2] .
ومما يجب أن يقف عنده الدارس قول ابن مجاهد: «النون الساكنة والتنوين تبينان عند الحاء والهاء والعين ضرورة من غير تعمل» [3] . ويمكن أن يفسر قوله (ضرورة) بأنه لا يتأتى عند نطق النون قبل هذه الحروف إلا إظهارها، أي إن إخفاءها قبلهن (مستحيل غير ممكن) كما جاء في قول عبد الوهاب القرطبي السابق. وإذا كان ذلك هو مراد ابن مجاهد، فكيف يمكن تفسيره من الناحية الصوتية، وهل يؤيده الدرس الصوتي الحديث؟
إن عناية دارسي الأصوات العربية المحدثين بالظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب محدودة جدا [4] . ومن ثم فإن ما نجده عن أحكام النون الساكنة والتنوين لديهم لا يسعف الدارس في تقويم قول ابن مجاهد. ذلك القول الذي كان مجهولا لم يطّلع عليه أحد من دارسي الأصوات العربية المحدثين الذين اطلعنا على أعمالهم.
ويمكن أن نجد في طبيعة إنتاج أصوات الحلق وصوت النون تفسيرا لقول ابن مجاهد،
(1) انظر: الداني: التيسير ص 3635.
(2) الموضح 178ظ.
(3) وهم محقق كتاب الإقناع لابن الباذش حينما نقل قول ابن مجاهد (1/ 256) هكذا (عند الهاء والخاء والغين) وقد قال في الهامش رقم (2) : «في الأصل (عند الهاء والحاء والعين) وما أثبته من حاشيته» فإنه بذلك حذف الصحيح وأثبت المصحّف.
(4) كان الدكتور إبراهيم أنيس أكثرهم عناية بذلك (انظر الأصوات اللغوية ص 7169) وعلى نحو أقل جان كانتينو: دروس ص 6160. ثم أحمد مختار عمر: دراسة الصوت اللغوي ص 334.