وليس غرضنا هنا الدخول في تفصيلات هذا النوع من الإدغام الكبير لأنا ذكرنا من قبل أن الإدغام الكبير درسه القراء في كتب القراءات، ولم يتعرض له علماء التجويد في كتبهم.
وإنما نريد أن نوضح أن إخفاء الحركات يستخدم في مثل هذا النوع من التركيب، حيث قال عنه بعض القراء بأنه إدغام صحيح، بينما قال عنه بعضهم وأكثر النحويين بأنه ليس بإدغام ولكن يحمل على إخفاء الحركة. ولكن لا بد من أن نذكر قولين من أقوال أئمة النحاة أنصفا ولم يتعصبا، وهما ابن الحاجب وأبو حيان، وكلاهما من القراء، فهما أدرى بمذاهب الفريقين.
قال ابن الحاجب (ت 646هـ) «والأولى الرد على النحويين في منع الجواز، وليس قولهم بحجة إلا عند الإجماع، ومن القراء جماعة من النحويين، فلا يكون إجماع النحويين حجة عليهم مع مخالفة القراء لهم، ثم ولو قدّر أن القراء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون للنحويين في نقل اللغة، فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم. وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى، لأنهم ناقلوها عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله، ولأن القراءة ثبتت تواترا، وما نقله النحويون آحاد، ثم ولو سلم أنه ليس بتواتر فالقراء أعدل وأكثر، فكان الرجوع إليهم أولى» [1] .
وقال أبو حيان (ت 745هـ) : «والذي قرأناه وتلقيناه عن المشايخ أهل الأداء إدغام ما ذكرناه. والذين رووا ذلك عن أبي عمرو أئمة ثقات، منهم علماء بالنحو كأبي محمد اليزيدي وغيره، فوجب قبوله، وإن لم يجزه البصريون غير أبي عمرو، فأبو عمرو رأس في البصريين، ولم يكن ليقرأ إلا بما قرأ وروى، لأن القراءة سنة متبعة، غاية ما في ذلك أن يكون قليلا في كلام العرب» [2] .
وقد وازن بعض علماء التجويد بين الحركة المختلسة والحركة المرامة. قال أبو بكر أحمد بن الجزري: «والاختلاس والروم يشتركان في التبعيض، وبينهما عموم وخصوص، فالروم أخص، من كونه لا يكون في الفتح والنصب، ويكون في الوقف دون الوصل، والثابت من الحركة أقل من المحذوف [3] . والاختلاس أعم، من كونه يتناول الحركات الثلاث ولا
(1) الإيضاح في شرح المفصل 2/ 479. وانظر: الجاربردي: شرح الشافية ص 240.
(2) انظر: المرادي: شرح التسهيل 307و، والسيوطي: همع الهوامع 6/ 285.
(3) قال ابن الطحان (مرشد القارئ 135و) : «والروم عبارة عن النطق ببعض الحركة، ويكون الفاني منها أكثر من الباقي» .