ولم تلق ظاهرة المد عناية من قبل دارسي الأصوات العربية المحدثين، ومن ثم فإنها لم تمتحن بوسائل الدرس الصوتي الحديث، إلا ما قاله الدكتور إبراهيم أنيس في تعليل ظاهرة المد، وهو تعليل مبني على الملاحظة الذاتية: «أما السر في هذه الإطالة فهو كما يبدو لي الحرص على صوت اللين وطوله، لئلا يتأثر بمجاورة الهمزة أو الإدغام لأن الجمع بين صوت اللين والهمزة كالجمع بين متناقضين، إذا الأول يستلزم أن يكون مجرى الهواء معه حرا طليقا، وأن تكون فتحة المزمار حين النطق به منبسطة منفرجة، في حين أن النطق بالهمزة يستلزم انطباق فتحة المزمار انطباقا محكما يليه انفراجها فجأة، فإطالة صوت اللين مع الهمزة يعطي المتكلم فرصة ليتمكن من الاستعداد للنطق بالهمزة التي تحتاج إلى مجهود عضوي كبير وإلى عملية صوتية تباين كل المباينة الوضع الصوتي الذي تتطلبه أصوات اللين.
«وهذا هو نفس السر في إطالة صوت اللين حين يليه صوت مدغم، لأن طبيعة اللغة العربية ونسجها تستلزم قصر أصوات اللين الطويلة (أي حروف المد) حين يليها صوتان ساكنان، فحرصا على صوت اللين وإبقاء على ما فيه من طول بولغ في طوله لئلا تصيبه تلك الظاهرة التي شاعت في اللهجات العربية قديمها وحديثها، من ميل صوت اللين إلى القصر حين يليه صوتان ساكنان» [1] .
وتعليل الدكتور إبراهيم أنيس لظاهرة المد قبل الحرف المشدد يوافق ما ذهب إليه جمهور علماء التجويد، لكن مذهبه في تعليل المد قبل الهمزة لا يوافق إلا ما ذهب إليه مكي بن أبي طالب، ومع ذلك فإن تحليل الدكتور إبراهيم أنيس لظاهرة المد قبل الهمزة والصوت المشدد يصب في نفس الاتجاه الذي سار فيه علماء التجويد، وهو يؤكد موقفهم، فالتحليل للظاهرة واحد، ثم قال علماء التجويد إن المد من أجل المحافظة على الهمزة، وقال الدكتور إبراهيم أنيس أنه من أجل المحافظة على صوت المد.
ولا يعني الاختلاف في تعليل ظاهرة ما الشك في وجودها، فسواء ثبتت صحة ما قاله جمهور علماء التجويد في تعليل ظاهرة المد أو ما قاله غيرهم فإن ذلك لا يغير شيئا من أصالة المد في العربية عموما وقراءة القرآن خصوصا، فقد ذكر المد علماء العربية، ورواه علماء القراءة مشافهة، وأكدوا ذلك بأحاديث مرفوعة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم تتضمن وصف قراءته بالمد [2] .
(1) الأصوات اللغوية ص 160159.
(2) انظر: الداني: التحديد 4و، والعطار: التمهيد 61ظ، 70و. والسيوطي: الإتقان 1/ 271.