فأما إذا انفتح ما قبل الياء والواو فإنهما لا يمدان إذا عقبتهما الهمزة في مثل {خَلَوْا إِلى ََ}
[البقرة: 14] ، و {تَعََالَوْا إِلى ََ} [آل عمران: 64] ، و {ابْنَيْ آدَمَ} [المائدة: 27] ، و {مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: 40] ، لأن اللسان ينبسط بهما فثقلان ولا تخفيان خفاء الواو والياء والألف مع حركاتهن، فلم يجب المد لذلك.
فالحاصل أن هذه الحروف إنما مدت لئلا يكون اللسان منتقلا عن الأخف إلى الأثقل دفعة، فلا يتحقق مخرج الهمزة، فقويت بالمد إرادة لبيان الهمزة، وقصدا لتحقيق مخرجها، وتوخي تمكن النطق بها، ولهذه العلة استحب إظهار السكون قبلها إبرازا بيّنا شافيا. وسيأتي ذلك.
فأما إذا كان بعدها حرف ساكن مظهر أو مدغم فإنما وجب فيه المد للفرق بين الساكنين لما التقيا، لأن الممدود نظير المتحرك، من حيث إن زمان النطق بالحرف الممدود أطول من زمان النطق بغيره، كما أن زمان النطق بالحرف المتحرك أطول من زمان النطق بالحرف الساكن، فصار المد في كونه فاصلا كالحركة. وهو معنى قول سيبويه: إن الإدغام حسن لأن حرف المد بمنزلة المتحرك في الإدغام [1] . يعني أن الممدود صار بزيادته وطوله كالمتحرك، ولهذا لو أردنا تطويل الحرف أيّ زمان شئنا لم يمكن إلا في حروف المد، والمدغم في مثله ينحى بالحرفين فيه نحو الحرف الواحد، فاجتمع فيه مد الحرف الذي هو قائم مقام الحركة وكون الحرفين كالحرف الواحد، وفي الثاني حركة، فحسن الإدغام لذلك. فصار كأنه لم يلتق ساكنان» [2] .
ويتلخص من ذلك أن علماء العربية وعلماء التجويد يجعلون علة المد قبل الهمزة لبيانها هي، وقبل المشدد للفصل بين الساكنين، إلا أن مكيا جعل المد قبل الهمزة من أجل المحافظة على حرف المد لا لبيان الهمزة، وهو خلاف ما أجمعوا عليه، وقد نقل علم الدين السخاوي أنه: «قال الزجاج وابن قتيبة موجب تمكين المد بيان الهمزة لا بيان الممدود، لأن الهمزة خفية، ومع خفائها ففي إخراجها كلفة، لأنها تخرج من الصدر كالسعلة لشدتها وبعد مخرجها فقويت بتمكين المد في حرف المد قبلها. وأما زيادة تمكين المد مع الساكن فلأجل التقاء الساكنين، فكان المد كالحركة، لأنه يتميز به أحد هما عن الآخر» [3] .
(1) انظر: الكتاب 4/ 419و 438.
(2) الموضح 166و 166ظ.
(3) جمال القراء 188ظ.