فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 513

وتكاد الأمثلة القليلة لتطبيق دراسة التنغيم في اللغة العربية تقصر في استخدام التنغيم للتفريق بين الجملة الخبرية والجملة الاستفهامية، وكذلك الجملة التعجبية، فالتنغيم عنصر أساسي في تمييز هذا النوع من الجمل، على الرغم من وجود عناصر أخرى تركيبية تساعد في الوصول إلى ذلك التمييز [1] .

إن من الأمور التي لم يعرفها دارسو الأصوات العربية من المحدثين أن علماء التجويد أدركوا ظاهرة التنغيم وعرفوا أمثلتها، واستخدم بعضهم كلمة النغمة، بينما اكتفى آخرون باستخدام عبارة (رفع الصوت وخفضه) وهو معنى التنغيم عند المحدثين.

ومن أقدم النصوص المتعلقة بظاهرة التنغيم، مما اطلعت عليه من مصادر علم التجويد، ما قاله أبو العلاء الهمذاني العطار وهو يتحدث عن اللحن الخفي: «وأما اللحن الخفي فهو الذي لا يقف على حقيقته إلا نحارير القراء ومشاهير العلماء، وهو على ضربين: أحد هما لا تعرف كيفيته ولا تدرك حقيقته إلا بالمشافهة وبالأخذ من أفواه أولي الضبط والدراية. وذلك نحو مقادير المدات، وحدود الممالات والملطّفات والمشبعات والمختلسات، والفرق بين النفي والإثبات، والخبر والاستفهام، والإظهار والإدغام، والحذف والإتمام، والروم والإشمام، إلى ما سوى ذلك من الأسرار التي لا تتقيد بالخط، واللطائف التي لا تؤخذ إلا من أهل الإتقان والضبط» [2] . فقول أبي العلاء: الفرق بين النفي والإثبات، والخبر والاستفهام داخل في موضوع التنغيم، وإن جاءت العبارة عامة موجزة.

وكان محمد بن محمود بن محمد السمرقندي الأصل، الهمذاني المولد، البغدادي الدار، المتوفى سنة 780هـ قد فصّل هذا الموضوع تفصيلا لم يسبق إليه، فيما عرفت من كتب هذا العلم، كما أن أحدا من الذين جاءوا بعده لم يبلغوا مبلغه، ولا أبالغ إن قلت: إن كلام المحدثين في الموضوع لا يصل إليه من حيث القيمة العملية لا التفصيلات النظرية، فيما نجده مكتوبا عن الموضوع بالعربية.

قال السمرقندي في قصيدته (العقد الفريد) :

إذا (ما) لنفي أو لجحد فصوتها ار ... فعن وللاستفهام مكّنن وعدّلا

وفي غير اخفض صوتها والذي بما ... شبيه بمعناه فقسه لتفضلا

(1) انظر: كمال محمد بشر: الأصوات ص 246245، وأحمد مختار عمر: دراسة الصوت اللغوي ص 315.

(2) التمهيد 119ظ 120و.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت