فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 513

إن أول قضية بارزة تواجهنا في البحث عن إجابة للسؤال السابق هي أن علماء التجويد قد خصصوا كتبا مستقلة لبحوثهم الصوتية، هي التي تعرف بكتب علم التجويد، وقد ذكرنا في المبحث الثاني من هذا الفصل أشهر تلك الكتب منذ أقدمها وهو قصيدة أبي مزاحم الخاقاني،

حتى أحدثها وهو (خلاصة العجلة في بيان مراد الرسالة) للدركزلي الموصلي.

واستطاع علماء التجويد بذلك أن يجردوا المباحث الصوتية المبعثرة في كتب النحو والصرف والقراءات ويجمعوها في كتب مستقلة، وهذا من أول شروط كون المنهج واضح المعالم محدد الأبعاد غير مختلط بما سواه من كتب العلوم الأخرى.

والقضية الثانية البارزة في ذلك الصدد هي أن علماء التجويد قد ميزوا أبحاثهم الصوتية بتسمية جديدة، فلم يدعوها تحمل اسم علم النحو، أو علم الصرف، أو علم القراءات، وإن كانت ذات صلة بهذه العلوم، ولكنهم استخدموا لتلك المباحث تسمية جديدة مبتكرة هي (علم التجويد) ، وقد استقرت هذه التسمية في وقت مبكر من تاريخ هذا العلم، وقد ذكرنا أن مطلع القرن الرابع الهجري قد شهد مصطلح (التجويد) في ميدان الأبحاث الصوتية المتصلة بقراءة القرآن [1] ، وشهد ظهور مطلع القرن الخامس على أقرب تقدير اختيار هذا المصطلح اسما لمجموع تلك الأبحاث، ولم يمض وقت طويل من ذلك القرن حتى استقرت هذه التسمية الجديدة.

وإذا كنا نجد أن أول مصنف في علم التجويد، وهو قصيدة أبي مزاحم (ت 325هـ) جاء خاليا من استخدام مصطلح (التجويد) وأن الكتاب الثاني وهو كتاب (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) للسعيدي (ت في حدود 410هـ) استخدم ذلك المصطلح في مادة الكتاب دون عنوانه، فإن مكي بن أبي طالب (ت 437هـ) استخدام المصطلح على الصعيدين معا، فقد قال عن تسمية الكتاب: «وسميت ما ألّفت من ذلك بكتاب الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة بعلم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها وألقابها» [2] .

ويبدو هنا أن مكيا كان مترددا في التسمية بين (علم التجويد) و (علم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها) ، كما يبدو ذلك من العنوان الطويل الذي اختاره لكتابه، وقد أظهر مكي تعلقا بالاسم الثاني في ثنايا كتابه الرعاية، فقال وهو يتحدث عن دور المخارج والصفات في اختلاف وقع الأصوات في السمع: «واعلم أنه لولا اختلاف المخارج لم يفرق في السمع بين حرفين أو حروف على صفة واحدة. وقد تقدم منه جملة فافهمه، فعليه مدار علم مخارج الحروف وصفاتها وقوتها وضعفها وتقاربها وتباعدها وإدغام بعضها في

(1) انظر: المبحث الأول من هذا الفصل.

(2) الرعاية ص 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت