الأصل الثالث: في معرفة أحكام تعتري الحروف في حالة تركبها، وهي ثمانية أشياء:
مد وقصر، وإدغام وإظهار، وإخفاء وإقلاب، ووقف وابتداء، فانحصر كلامنا على هذا الأصل في أربعة فصول أيضا (12ظ 24و) .
الفصل الأول: المد والقصر.
الفصل الثاني: الإدغام والإظهار.
الفصل الثالث: الإخفاء والإقلاب.
الفصل الرابع: الوقف والابتداء (يتضمن كيفيات الوقف وأقسام الوقف) .
هذان مثالان لتبويب الموضوعات في كتب علم التجويد، تقدّم عليهما مثال ثالث من قبل هو كتاب (الموضح) لعبد الوهاب القرطبي، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى، منها ما يخص المؤلفات العامة لكتب علم التجويد، ومنها ما يتعلق بموضوعات خاصة على نحو ما عرضنا في المبحث الثاني من هذا الفصل.
ولا نكاد نجد كتابين من تلك الكتب يتطابقان في التبويب، اللهم إلا إذا كانا شرحا لنص واحد، مثل شروح المقدمة الجزرية، ونجد في كثير من تلك الكتب أمثلة تعبر عن دقة في تبويب بعض الموضوعات، وما اختلاف مناهج المؤلفين في تبويب كتبهم، مع كون الموضوعات واحدة في أغلب الأحيان، إلا تعبير عن أصالة التفكير والتحرر من صفة الجمود والتقليد.
ولنا في نهاية حديثنا عن منهج علماء التجويد وكيف كان ذلك المنهج شاملا أولا، وخالصا ثانيا، ملاحظة عامة عن أساليب هؤلاء العلماء في معالجة موضوعاتهم، وعلاقتهم بغيرهم من سابقيهم، وهي ملاحظة ليست نهائية، لأنها تفتقر إلى الاستقراء الكامل لكتب علم التجويد، ومع ذلك فلدينا أمثلة كافية ومتعددة عن كل عصر من العصور التي يمتد إليها ميدان هذا البحث.
وتتلخص تلك الملاحظة في القول بأن مؤلفات القرن الرابع الهجري التي تمثل مرحلة النشأة لهذا العلم والتي يمكن أن نمثل لها بقصيدة أبي مزاحم (ت 325هـ) وكتاب (التنبيه على اللحن الجلي والخفي) للسعيدي (ت في حدود 410هـ) كانت تفتقر إلى المنهج المتكامل أو الشامل، فهي كتب رائدة لم ينسج مؤلفوها على مثال، وإنما ابتدعوها ابتداعا وصارت أمثلة للمؤلفين من بعد ينظرون فيها ويكملون نقصها، ويتمثلون بعباراتها.
وكانت مؤلفات القرن الخامس الهجري تمثل مرحلة النضج لهذا العلم، منهجا
وموضوعا، متمثلة بكتاب (الرعاية) لمكي (ت 437هـ) و (التحديد) للداني (ت 444هـ) ، و (الموضح) للقرطبي (ت 462هـ) . وربما امتدت هذه المرحلة إلى القرن السادس أيضا.