فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 513

التصريف (أي الصرف) . ويبدو أن المرعشي يتوسع هنا بمفهوم علم الصرف الذي يختص بأحوال الكلمة التي ليست بإعراب ولا بناء المتمثلة ببنية الكلمة ليشمل الأجزاء التي تتكون منها الكلمة وهي الحروف.

وإذا كنت من الموافقين للمرعشي على عدّه التجويد من العلوم العربية، أي اللغوية، فإن واقع الدراسات اللغوية المعاصرة يأبى أن نلحقه بعلم الصرف، فالتجويد علم مستقل بذاته يعنى بدراسة أصوات اللغة العربية مخارجها وصفاتها وأحوالها التركيبية، وليس بضائر بعد ذلك أن نسميه علم التجويد أو علم الأصوات اللغوية.

ومع أننا ندرس في هذا البحث جهود علماء التجويد في قرون مضت ونقرر ما قالوه ونناقشه في ضوء معارفنا الصوتية المعاصرة، تظل أبصارنا تتطلع إلى الأمام ترمق المكان الذي ينبغي أن يحتله هذا العلم في المستقبل، والدور الذي يمكن أن يقوم به في دراسة أصوات العربية وفي تعلمها أيضا، ومن ثم يجب أن نركز على الجانب اللغوي في علم التجويد، لأن دراساتنا اللغوية وواقع اللغة العربية المنطوق بحاجة إلى معطيات هذا العلم النظرية والتطبيقية، مستفيدين إلى أقصى حد مما حققه علم الأصوات اللغوية في الوقت الحاضر، هذا من غير أن نقطع صلة علم التجويد بنص القرآن الكريم، فقد كانت لتلك الصلة أهميتها في الماضي ويمكن أن تنال ذات الأهمية في الحاضر والمستقبل.

وهناك قضية أخيرة تتصل بهذا المبحث، وهي بيان أثر ارتباط علم التجويد بنص القرآن الكريم على دراسة الأصوات العربية لدى علماء التجويد، وهل كان ذلك الارتباط سببا لتقييد تلك الدراسة أو كان عاملا في إغنائها وديمومتها؟

إن القرآن الكريم نص لغوي عربي منقطع النظير في سمو فصاحته وبلاغته، يحرص المسلمون على ترتيل كلماته، أي نطقها مبيّنة مجوّدة، على نحو ما كان يحرص صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يرتلونها، وكان ذلك النطق هو المثال الذي ظل المسلمون يتلقونه جيلا بعد جيل بالمشافهة والرياضة، وكان ذلك النطق موضوع (علم التجويد) دراسة، وتحليلا، وتعليما، ومن ثم انحصرت أمثلة علماء التجويد وشواهدهم التي يدرسونها في ألفاظ القرآن الكريم بشكل أساسي، بخلاف النحاة الذين استمدوا شواهدهم من القرآن أولا ثم من كلام العرب شعره ونثره ثانيا. لكن علماء التجويد لم يخسروا شيئا حين حصروا اهتمامهم بألفاظ القرآن الكريم، بل أفادهم ذلك من عدة نواح:

أولا: كان هدف علماء التجويد تعليميا بالدرجة الأولى، ويناسب ذلك الهدف حصر

الدراسة في ميدان محدد، وهو ما يتحقق في نص القرآن الكريم، فلم ينشغلوا بتتبع وجوه النطق اللهجية وإثقال المتعلمين بها، بل تركوا ذلك لجهود علماء العربية، وركزوا جهودهم في ذلك الميدان المحدد، مما سهل عملية التلقي، وتحققت لعلماء التجويد درجة كبيرة في ضبط صورة النطق على نحو لا يفوقه إلا استخدام وسائل التسجيل الصوتي الحديثة، التي يجب أن يستعان بها في خدمة ذلك الجهد المتواصل لعلماء التجويد في المحافظة على صورة النطق العربي الأصيل متمثلا بنطق ألفاظ القرآن الكريم. وحرصا من علماء التجويد على حصر ميدان جهودهم ميزوا موضوع القراءات عن موضوع التجويد، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت