وبعد أن انتهيت إلى تلك النتيجة طمحت نفسي إلى معرفة كتب علم التجويد القديمة، وقد أخذ ذلك مني سنوات أخرى من البحث والتتبع في فهارس المخطوطات، حتى وقفت
على أسماء عشرات من تلك الكتب، وحصلت على بعض مخطوطاتها، وقد فتحت لي هذه الخطوة عدة جوانب للبحث تتراوح بين البحث في تاريخ علم التجويد والتعريف بكتبه القديمة المجهولة لدى المعاصرين، والعمل على تحقيق بعض تلك الكتب.
وحاولت أن أقدّم خلاصة ذلك التتبع والبحث إلى المهتمين بعلم التجويد والمشتغلين بدراسة الأصوات العربية، فكتبت بحثا عن (علم التجويد: نشأته ومعالمه الأولى) [1] . ولم يتوقف اهتمامي بكتب علم التجويد عند هذا الحد، فكان يشغلني التفكير بالقيام بعمل كبير هو تقديم بحث عن (الدراسات الصوتية عند علماء التجويد) ، ولكن كانت تحول دون القيام بهذا العمل عقبات تتمثل في حاجته إلى الوقت الطويل والتفرغ التام، وتتمثل في صعوبة الحصول على مصادره التي لا يزال معظمها مخطوطا ومفرقا في بلدان العالم.
وكان التحاقي للدراسة بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة بغداد قد وفر لي الوقت الكافي للشروع في ذلك العمل، وقد حصلت الموافقة من القسم على أن يكون موضوع رسالتي لنيل درجة الدكتوراة عن (الدراسات الصوتية عند علماء التجويد) . ومن ثمّ أخذت بجمع المصادر المتصلة بالموضوع، ووقفت على كثير منها في مكتبات العراق، وطلبت عددا منها من مكتبات البلدان الأخرى، حتى تجمع لديّ ما يمكن معه القيام بالبحث على نحو مقبول.
وبعد أن انتهيت من جمع المادة ومراجعتها شرعت في الكتابة على أساس خطة تقسم البحث إلى ثلاثة فصول، وضممت إليها ثلاثة ملحقات تعالج موضوعات لا تندرج بشكل مباشر في الفصول الثلاثة.
وقد درست في الفصل الأول (مصادر الدراسة الصوتية عند علماء التجويد) فجاء هذا الفصل في خمسة مباحث، تحدثت في المبحث الأول عن نشأة علم التجويد وبدء التأليف فيه. وقدمت في المبحث الثاني قائمة تتضمن أشهر كتب هذا العلم من لدن ظهور التأليف فيه إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري. وبينت في المبحث الثالث الفكرة التي تستند إليها الدراسة الصوتية عند علماء التجويد، وهي تدور حول اجتناب اللحن الخفي. ووقفت في المبحث الرابع عند منهج علماء التجويد في دراسة الأصوات اللغوية، وبينت أهم خصائص
(1) نشر في مجلة كلية الشريعة في جامعة بغداد سنة 1400هـ 1980م، في العدد السادس (ص 331 396) .