لبني آدم، وإنه لا يفتر ولا يفوت فرصة في غواية أحدهم، وقد قطع على ذلك العهد والميثاق، فيعترضه في كل خير، ويدعوه إلى كل شر، فإن صلى ألهاه وأنساه، وإن نام جلس على خيشومه وعقد على قافية رأسه ثلاث عقد ليمنعه من الذكر والصلاة، وإن تصدق وعده بالفقر، وهكذا؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ. فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ. وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوجَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ. فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَووَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ".
فإذا يئس من نفس أن ترتكب شركا بالله عز وجل أوتقع في المحرمات الكبيرة البينة، طمع في السيئات أن تجتمع عليها فتهلكها، فإن كان فيها إرادة خير وحرص على طاعة الله عز وجل ألهاها بالفضول وبما لا ينفع، وكان سعيه أن يحيد بها عن الصراط المستقيم الذي أمر الله الامتثال به، إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط؛ فالنفس إما أن تكون مسترسلة غير مبالية، لا تكترث بإزالة النجاسة ولا إسباغ الوضوء ولا إقامة الصلاة بخشوعها ولا تحسين العبادة لله عز وجل، فإن أتاها واعظ العلم وأدركها من توفيق الله سبحانه فأفاقت من سكرة الإهمال فكان همها تحسين العبادة والاستقامة على أمر الله، اشتد غيظ الشيطان لحال استقامتها فدعاها ومناها إلى حال التفريط والتغليظ والتشديد، فتصير إن أرادت إزالة النجاسة مثلا اغتسلت، وإن أرادت إسباغ الوضوء كررت غسل أعضائها مرارا حتى يظن الناظر أن على أعضائها أوساخا لا تزول من غير أن يبصر شيئا، وإن أرادت التكبير للصلاة خيل إليها فقدان النية أوعدم الحضور فأعادت التكبير مرات عديدة، وإن صلت شككها بعدد الركعات وهي لا تزال تبني صلاتها على الأقل من عدد الركعات حتى تصلي الظهر ستا وربما أكثر، وغير ذلك مما يأمر الشيطان به النفس فيهيأ إليها من قلة علمها أنه خير فتعمل بما يمليه عليها، حتى تصل في طاعة الشيطان والاسترسال مع النفس الأمارة بالسوء إلى إنكار المشاهد وتخيل ما لم يكن، قال ابن قدامة: ومنهم من يغسل إلى المئين وما زال حدثه هواليقين. وقال شيخ الإسلام: الْمُوَسْوِسَ يُقَدِّرُ مَا لَمْ يَكُنْ كَائِنًا ثُمَّ يَحْكُمُ بِحُصُولِهِ، كَأَنْ يَتَوَهَّمَ وُقُوعَ نَجَاسَةٍ بِثَوْبِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِوُجُودِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي الْفُتُوحِ الْعِجْلِيّ الْوَسْوَسَةُ تَقْدِيرُ مَا لَمْ يَكُنْ إنْ لَوكَانَ كَيْفَ يَكُونُ ثُمَّ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ كَائِنًا حَتَّى يَكُونَ الْوَاجِبُ غَسْلَهُ عِنْدَهُ.