فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 310

ونحن نحمّل مسؤولية هذا الرفض «أبا حيان» و «ابن الضائع» ؛ النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول، قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ، يصح الاحتجاج به، فلا فرق. وادعاء وقوع اللحن في الحديث النبوي باطل؛ لأن ذلك يمكن أن يتخرج على وجه من الوجوه النّحوية الصحيحة، أو يتخرج على لغة عربية غير مشهورة.

والقول بأن في رواة الحديث أعاجم قول لا يعتدّ به؛ لأنّ ذلك يقال في رواة الشعر والنثر، اللذين يحتج بهما، فإن فيهم الكثير من الأعاجم، وهل في وسعهم أن يذكروا لنا محدّثا ممن يعتد به أن يوضع في صف «حمّاد الراوية» الذي كان يكذب، ويلحن، ويكسر الشعر. (1) وروى «الكوفيون» أنّ حمّادا الراوية كان حفظ القرآن من المصحف، فكان يصحّف نيّفا وثلاثين حرفا. (2) ومع ذلك لم يتورع الكوفيون، ومن نهج منهجهم عن الاحتجاج بمروياته. ولكنهم تحرجوا في الاحتجاج بالحديث النبوي.

ولم ترفّع النّحويّون عما ارتضاه اللغويون من الانتفاع بهذا الشأن، والاستقاء من ينبوعه الفياض، العذب الزلال، فأصبح ربع اللغة به خصيبا بقدر ما صار ربع النحو جديبا؟!

ومن اطّلع على منهج المحدّثين في النقد، وطريقتهم في التعديل، ومبالغتهم في

(1) «مراتب النحويين» : 118.

(2) «شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف» : 12، و «حماد» هذا هو حماد بن سابور بن المبارك، أبو القاسم (95 ـ 155 ه‍) وانظر ترجمته في «الأعلام» 2: 271.

حقيقة الراوي، والأخذ بالظنة والتهمة في ردّ مروياته، يكاد يجزم بأن تجويز الكذب على الراوي المستجمع للشروط أمر لا يصدّقه عقل، ولا يتفق عليه اثنان.

ونحن لا نعذر القدامى في عدم احتجاجهم بالحديث، ولكن عدم ممارستهم لهذا الفن الجليل صرفهم عن الاحتجاج به؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

الاتجاه الثالث: التوسط بين المنع والجواز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت