قال «فخر الإسلام البزدوي» : واستدلوا بالمعقول، وهو أن النقل بالمعنى ربما يؤدي إلى اختلال معنى الحديث، فإن الناس متفاوتون في إدراك معنى اللفظ الواحد كما أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: «فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، ولهذا يحمل كل واحد منهم اللفظ الواحد على معنى لا يحمله عليه غيره، وقد صادفنا من المتأخرين من يتنبه في آية أو خبر لفوائد لم يتنبه لها أهل الأعصار السالفة من العلماء المحققين، فعلمنا أنه لا يجب أن يقف السامع على جميع فوائد اللفظ في الحال، وإن كان فقيها ذكيا، مع أنه ـ عليه السلام ـ قد أوتي جوامع الكلم، وكان أفصح العرب لسانا، وأحسنها بيانا، فلو جوزنا النقل بالمعنى ربما حصل التفاوت العظيم، مع أن الراوي يظن أنه لا تفاوت، ولأنه لو جاز تبديل لفظه ـ عليه السلام ـ بلفظ آخر لجاز تبديل لفظ الراوي أيضا بالطريق الأولى؛ لأن التغيير في لفظ غير الشارع أيسر منه في لفظ الشارع، ولجاز ذلك في الطبقة الثالثة والرابعة، وذلك يفضي إلى سقوط الكلام الأول؛ لأن الإنسان وإن اجتهد في تطبيق الترجمة لا يمكنه الاحتراز عن تفاوت، وإن
(1) «الكفاية» 280.
(2) بنحوه أخرجه «الترمذي» في «سننه» في (أبواب العلم ـ باب في الحثّ على تبليغ السّماع) 4: 141 و «ابن ماجه» في «سننه» في (المقدمة) 1: 84 ـ 85، و (كتاب المناسك ـ باب الخطبة يوم النحر) 2: 1015، و «الدارمي» في «سننه» في (باب الاقتداء بالعلماء) 1: 75، و «أحمد» في «مسنده» في عدة مواضع 1: 437، 3: 225، 4: 80، 5: 183.
(3) «أصول السرخسي» 1: 355، وروى الحديث بروايات مختلفة. انظر «الكفاية» 267، 305.
قلّ، فإذا توالت هذه التفاوتات كان التفاوت الآخر تفاوتا فاحشا، بحيث لا يبقى بين الكلامين الأول، وبين الآخر مناسبة.