ويؤيد هذا الافتراض أن «السيوطيّ» استنبط من قول صاحب «ثمار الصناعة» : «النحو علم يستنبط بالقياس والاستقرار من كتاب الله ـ تعالى ـ وكلام فصحاء العرب» أن النحاة لم يكونوا يستشهدون بالحديث، فعقب على ذلك بقوله: «فقصره؟؟؟ عليهما، ولم يذكر الحديث» (1) .
وهناك أسباب كثيرة تحمل على الشك في صحة ما نسب إلى الأقدمين من رفضهم الاستشهاد بالحديث، بل هناك من الدلائل ما يكاد يقطع ـ إن لم يكن يقطع فعلا ـ أنهم كانوا يستشهدون به، ويبنون عليه قواعدهم، سواء منهم من اشتغل باللغة أو النحو أو بهما معا. ولهذا لا يسع الباحث المدقق أن يسلّم بما ادعاه المتأخرون، وسنده في ذلك ما يأتي:
(1) إن الأحاديث أصح سندا من كثير مما ينقل من أشعار العرب، ولهذا قال «الفيومي» بعد أن استشهد بحديث: «فأثنوا عليه شرّا» (2) على صحة إطلاق الثناء على الذكر بشرّ قال: «قد نقل هذا العدل الضابط، عن العدل
(1) «الاقتراح» 54.
(2) أخرجه «مسلم» في «صحيحه» في (كتاب الجنائز ـ باب فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى) 3: 53، و «ابن ماجه» في «سننه» في (كتاب الجنائز ـ باب ما جاء في الثناء على الميت) 1: 478، من حديث «أنس بن مالك» . وغيرهما.
الضابط، عن العرب الفصحاء عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم يكتفون بالنقل عن واحد، ولا يعرفون حاله» (1) .
(2) إنّ المحدثين الذين ذهبوا إلى جواز الرواية بالمعنى شرطوا في الراوي أن يكون محيطا بجميع دقائق اللغة، ذاكرا جميع المحسنات الفائقة بأقسامها، ليراعيها في نظم كلامه، وإلا فلا يجوز له الرواية بالمعنى (2) على أن المجوزين للرواية بالمعنى معترفون بأن الرواية باللفظ هي الأولى، ولم يجيزوا النقل بالمعنى إلا فيما لم يدوّن في الكتب. وفي حالة الضرورة فقط (3) .