فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 320

إن صحة الاحتجاج بأحاديث الآحاد في أبواب العقائد أمر مقرر مفروغ منه لدى السلف من الصحابة فمن بعدهم، ولم يكن ذلك مثار شك ولا جدل، فكل حديث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو عندهم حجة في الأحكام والعقائد على حد سواء، ولم تكن المسألة بحاجة إلى تقرير خاص في كتب المتقدمين؛ لوضوحها لديهم، وإنما توجد في معرض ردودهم على المخالفين من أهل البدع، وممن نقل إجماع الصحابة فمن بعدهم على هذه المسألة: ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة، وابن عبد البر في التمهيد، وسيأتي نقل ذلك عنهما قريبًا عند سياق دليل الإجماع.

ثم ظهر أهل البدع، وشاع علم الكلام، وأثار المبتدعة جملة من القضايا الأصولية دفاعًا عن بدعهم، وكان موضوع حجية خبر الآحاد مما بالغوا في إنكاره حتى يردوا تلك الأحاديث التي تبطل معتقداتهم الفاسدة، وقد رد عليهم علماء السنة بالحجج الدامغة، والبراهين الساطعة، غير أن بعض أهل الكلام والأصول من المتأخرين قد تأثروا ببعض تلك القضايا المثارة، ومن ذلك القول بعدم حجية خبر الواحد في باب العقائد؛ لأن المطلوب فيها القطع، وأخبار الآحاد لا تفيد عندهم إلا الظن، وهذا مذهب المعتزلة، واشتهر عند متأخري الأشاعرة.

والمذهب الحق أن أخبار الآحاد حجة في باب العقائد، كما هي حجة في باب الأحكام والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.

وقبل سياق جانب من أدلة هذه المسألة باختصار أذكّر بما تقدم تقريره قريبا من أن أحاديث الآحاد إذا توافرت فيها شروط الصحة أفادت العلم على التحقيق، وهذا من أعظم ما ينقض به مذهب المخالفين؛ لأن قولهم مبني على أنها لا تفيد إلا الظن، وباب العقائد القطع، وحتى لو قلنا إنها لا تفيد إلا الظن الغالب- كما هو مذهب المخالفين فلا يمتنع إثبات الأسماء والصفات وسائر أمور العقائد بها، إذ الجميع متفقون على أن الأحكام تثبت بها، ولا دليل على التفريق بين الأمرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت