فهرس الكتاب
وول هذه الصفات أن له غيب السماوات والأرض؛ فهل هؤلاء المشرعون لهم غيب السماوات والأرض؟ فالذي يعطي لنفسه حق التشريع يدعي لنفسه سواء بلسان الحال أو لسان المقال بأن له علم الغيب، والله -سبحانه وتعالى- أعطى الإنسان الحواس؛ أعطاه السمع حتى يسمع المسموعات، وأعطاه البصر حتى يرى المبصرات، وأعطاه اليد حتى يلمس ويتحسس، وأعطاه الرجل يتحرك بها في العلم والمعرفة، فهذه الحواس هي مفاتيح للعلم الظاهري، فالله عز وجل أعطى الإنسان مفاتيح العلم الظاهري.
فكون الإنسان يدعي -سواء بلسان الحال أو لسان المقال- بأنه يعلم العلم الغيبي؛ فقد جاوز بهذه الأدوات وهذه الحواس وهذه المفاتيح الأمر الذي خلقها الله من أجله، فهي خلقت كمفاتيح للعلم الظاهري، وهو يريد أن يستخدمها للعلم الغيب المغيب عنه، وهذا من أبطل الباطل.
أما مفاتح الغيب فتفرد به الله تعالى، فكما أن الله تعالى أعطاك مفاتيح للعلم الظاهري؛ تفرد سبحانه وتعالى بمفاتيح للعلم الغيبي، فكونك تستخدم هذه الوسائل للعمل الغيبي فهو مجاوزة وكفر وظلم ومنابزة لله سبحانه وتعالى في صفة من صفاته التي تفرد بها، كما قال الشاعر:
وَأَعلَمُعِلمَاليَومِوَالأَمسِقَبلَهُ ... وَلَكِنَّنيعَنعِلمِمافيغَدٍعَم
والنبي عليه الصلاة السلام -وهو أشرف الخلق عن الله تعالى- لم يدعي علم الغيب، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن أم العلاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: (والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يفعل بي ولا بكم) [1] .
(1) صحيح البخاري حديث رقم (7018) .