فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 698

وأخرج البخاري أيضًا في صحيحه عن الربيع بنت معوذ -رضي الله عنها- قال: (دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد) ، فأنكر عليها النبي عليه الصلاة والسالم ولم يقرها فقال: (لا تقولي هكذا وقولي ما كنت تقولين) . [1]

فلو كان لأحد الحق في إدعاء علم الغيب لادعاه النبي -عليه الصلاة والسلام- خليل الله تعالى وأشرع الخلق على ربه، ولكن جناب التوحيد لابد أن يصان حتى عن الأنبياء فلا يشاركوا الله تعالى في خصيصة من خصائصة، فما بالك بحثالة البشر، فجاهل تافه حقير يشارك الله في كل تلك الخصائص!

والمسألة لا تقف فقط عن مجرد التشريع بل المسألة محادّاة واضحة للمولى سبحانه وتعالى ومحاربة ومعاندة وطغيان، فهم طواغيت يريدوا أن يعبدوا من دون الله.

وهناك مسألة اخرى تتعلق بعلم الغيب هي أن علم الله تعالى للغيب يقتضي أن نذعن لحكمه وشريعته لأن تلك الأحكام التي أنزلها الله تعالى وبلغها رسوله لم تشرع لفترة زمنية محدودة ولم تشرع لعصر محدود ولا لمصر محدود؛ وإنما شرعت لكل زمان ولكل مكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والله سبحانه وتعالى بمقتضى علمه للغيب يعرف ما كان وما هو كائن وما سيكون بل يعرف ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ولذلك وضع الأحكام التي تصلح للبشرية في مستقبل أيامها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويعرف تعالى ما ستمر به الأمة من محن وإبتلاء ومصائب، وفي نفس الوقت أودع لها الحلول في شريعته، فلم يحوجها المولى سبحانه وتعالى لتشريع غيره.

(1) صحيح البخاري حديث رقم (4001) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت