فهرس الكتاب
فكيف يتبع مع هذا تشريع الذي لا يعلم ما في غده؛ والتشريع وضع أحكام للناس ليسيرون بها في مستقبل أيامهم؛ وهو لا يعلم ما في غد ولا يعرف ماذا سيتجدد من وقائع، وما سيحل لهذه الأمة من مقومات وبلاء فكيف نذعن بأن يكون مشرع، فمعنى مشرع أنه يضع لنا الحلول المستقبلية، فهو لا يعرف ماذا يحدث غدًا فضلًا عن ماذا سيحدث بعد شهر أو سنوات.
فكيف يعطي لنفسه حق التشريع؟ ويضع قوانين تسير عليها الأمة قسرًا وجبرًا عدة سنوات، ولذلك رأينا التناقض البين لتلك القوانين الوضعية، فكل سنة يكون هناك تعديلات وتغييرات وحذف وإضافة وتعديل، صدق فيهم قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا) [1] ، وكل واحد فيهم يقول أخطأ هذا وهذا أفضل وهذا أحسن؛ وكله باطل، كما قال تعالى (لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [2] فهناك تناقض بين، لأنهم لا يعرفون الغيب، فاليوم يشرعون أمرًا وغدًا يلغونه، واليوم يقررون أمرًا وغدًا يردون عليه، فتجد تجد مادة قانونية لا تزيد عن السطر؛ فتجد لها من الشروح والتعليقات والإستثناءات والإضافات ما يبلغ -بلا مبالغة- عدة مجلدات، وهذا أمر رأيناه بأعيننا، فالذي يضع لنفسه حق التشريع يدعي لنفسه بلسان الحال أو بلسان المقال أن له علم الغيب.
"ومن الآيات الدالة على ذلك قوله - تعالى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ."
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد؟ وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟
تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته.""
(1) سورة الأعراف\38,
(2) سورة النساء\82,