والحرف (من) في قوله تعالى: (مِّنَ الدِّينِ) يحتمل معنيين؛ يحتمل أولًا: أن تكون تبعيضيّة: أي لهم شركاء شرعوا لهم بعضًا من الدين أو جزءًا من الدين، وتحتمل أن تكون بيانية: فالمذكورين في الآية شرعوا لهم نظامًا وتشريعًا وقانونًا يتبعونه، إما في سائر أنواع النشاط أو في بعض أنواع النشاط؛ وسواء كانت بيانيّة: أي شرعوا لهم دينًا كاملأ ونظامًا كاملًا، أو كانت تبعيضية: أي شرعوا لهم بعض الدين وبعض النظام؛ فالأمر عندنا سيان؛ هو كفر أكبر مخرج من الملة، والذي مارسه اتّخذ من نفسه ربًا وإلهً يعبد من دون الله، والذي أطاعه فقد أشرك بالله هذا المطاع.
قال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [1] ، فالدين كلٌ واحد، ولن يفلح إلا من يأخذ هذا الدين كَكُلٌ متكامل؛ ولا يُبعّضه حسب ما يريد وحسب ما يشتهي، ولا يأخذ منه ما يتفق مع تميل إليه نفسه وما يتوافق مع أفكاره، أو حسب ما تربّى عليه، قال تعالى: (فلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [2] ؛ وهذا الحرج للأسف ما زال يوجد عند الكثير منّا إلا من رحم ربي، فتجد عنده حرج من بعض مسائل الدين، وهذه قضية في غاية الخطورة، لو تأمل الإنسان هذه الآية لسقط منها شعره، فالذي يعرض عن دين الله وعن سماعه هو وحده المتضرر.
(1) سورة البقرة\85,
(2) سورة النساء\65.