وهذه الأمور التي ذكرها ابن كثير على سيبل المثال لتلك الأمور التي شرّعها البشر في تلك الفترة قبل الإسلام من عند أنفسهم، والله -عز وجل- جعل هذا التشريع شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وجعلهم مشركين بهذه التشريعات البدائية؛ والتي لو أردنا أن نقيسها بما نحن عليه اليوم لرأينا أنها في غاية البدائية، ورغم هذه البدائية وأنها تتعلق بالأنعام ما يحرم منها وما يحل؛ جعل الله -عز وجل- هذا الأمر كفر أكبر وشرك أكبر مخرج من الملة، وجعل هؤلاء الذي يضعون هذه التشريعات أربابًا وآلهةً تعبد من دون الله، وجعل الذين اتبعوهم مشركين في عبادتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقًا على هذه الآية أيضًا، في كتابه الممتع (اقتضاء الصراط المستقيم) صـ 267: (فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله من غير أن يشرعه الله؛ فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله.) [1] اهـ.
فما بالك بمن جعل هذه الأمور تشريعًا ثابتًا مستقرًا؟ بل جعل الشرط والأعوان والدرك والحراس الذي يعملون ليلًا ونهارًا على إفساد الناس وإدخالهم تحتها، وسيأتي معنا مسألة طريفة، عندما نتحدث عن قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... ) ؛ سنجد أن ما وصل إليه حكّام هذه البلاد من المنتسبين للإسلام، فاق في الكفر والشرك ما وصل إليه التتار الذين يُضرب بهم المثل في الكفر والشرك؛ فالتتار لم يحملوا الناس قهرًا وجبرًا لأحكامهم الطاغوتية، وإنما أنشؤوا محاكم تحكم بالياسق، وفي نفس الوقت تركوا المحاكم الشرعية، ولم يجبروا الناس على أن يتحاكموا لليساق؛ بل أرسل ملكهم رسالة لعماله على الأمصار الإسلامية، يوصيهم فيها بإنفاذ أحكام الشريعة الإسلامية لكل من أراد أن يتحاكم إليها.
(1) مجموع الفتاوى 4\ 194.