فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 698

فالتنازلات هي مثل (الزحليقة) ، فالذي يبدأ في أولها فما هي إلّا فترات يسيرة ويجد نفسه في القاع، وهذه سنة رأيناها بأعيننا في واقعنا المعاصر وقرأناها في كتاب الله؛ أن التنازلات لا حدّ لها، فالذي يبدأ ويقدم تنازلات لليهود والنصارى أو الطواغيت لن يتركوا له دينه سليم؛ لأن القضية قضية دين، فالحرب أصلًا حرب عقائدية تستهدف أول ما تستهدف هذا الدين ولا تستهدف الأمور الأخرى، والذي يبدأ يتنازل عن دينه لمصلحة في رأيه لن يتوقف إلّا وقد تنازع عنه كله، شعر أو لم يشعر، كما قال تعالى: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [1] ، فيظن أنه يصلح وأنه صاحب الفهم السليم المعتدل، ثم في الآخرة يصدم بالحقيقة ولات حين مندم، ومن أكثر الشعارات التي ستردد يوم القيامة (يا ليت) و (ربي أرجعون) .

يقول الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على هذه الآية في عمدة التفسير المجلد الثالث صـ 51: (وقد وقع المسلمون في هذه العصور الأخيرة فيما نهاهم الله عنه من طاعة الذين كفروا، فأسلموا إلى الكفار عقولهم وألبابهم، وأسلموا إليهم في بعض الأحيان بلادهم، وصاروا في كثير من الأقطار رعية للكافرين من الحاكمين، وأتباعًا لدول هي ألد أعداء الإسلام والمسلمين، ووضعوا في أعناقهم ربقة الطاعة لهم، بما هو من حق الدولة من طاعة المحكوم للحاكم، بل قاتل ناس ينتسبون للإسلام من رعايا الدول العدوة للإسلام إخوانهم المسلمين في دول كانت إسلامية إذ ذاك) [2] اهـ.

(1) سورة الكهف\104.

(2) عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر: 3/ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت