و (مِنْ) في الآية هي (مِنْ) البيانية وليست (مِنْ) التبعيضية؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- شرّع لنا كل الدين ولم يشرع لنا بعض الدين، بل شرّع سائر ما يسمّى دينًا من العقائد والعبادات والمعاملات؛ فمعنى الآية: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) [1] ، أن الله يقول كما أوحينا إلى نوح -عليه السلام- بالعقيدة والتوحيد والأمور الإيمانية، فكذلك أوحينا إلى محمد التوحيد والعقيدة والأمور الإيمانية.
وبهذا فسر هذه الآية الإمام الشوكاني في تفسيره النفيس (فتح القدير) ، فقال -رحمه الله-: (أي: بين وأوضح لكم من الدين ما وصى به نوحا من التوحيد ودين الإسلام وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل وتوافقت عليها الكتب) [2] . اهـ.
فعبّر الله في هذه الآية عن مسائل الاعتقاد والتوحيد بقوله (شرع) ، فإذا أطلقنا التشريع يدخل فيه ويتضمن أمور الاعتقاد، فعلى التحقيق ليس هناك أي فرق ولا انفصال بين العقيدة والشريعة، فكل منها يتضمن الآخر ويستلزمه، وهذه العلاقة التي نجدها بين لفظين الشريعة والعقيدة نجدها أيضًا بين لفظين مشهورين؛ هما الإسلام والإيمان، فالعلاقة بين الإسلام والإيمان تلازمية من وجه وتضمنية من وجه آخر؛ وهنا القاعدة المشهورة أنهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ فإذا أطلقنا الإسلام وحده يدخل فيه الإيمان، وإذا أطلقنا الإيمان وحده يدخل فيه الإسلام، رغم أنّ لكل منهما معنى اصطلاحي دقيق، ولكن أطلق أحدهما منفردًا يشمل الآخر ويتضمنه.
(1) سورة الشورى\13.
(2) فتح القدير 4\ 607.