ويتضح لنا أيضًا هذا المعنى: أي أن اتخاذ تشريع غير تشريع الله -عز وجل- يعتبر اتخاذ دين جديد؛ أن الله -عز وجل- ردّ على هؤلاء المُبعِّضِين تبعيضهم، هؤلاء الذين أرادوا أن يفرقوا الدين إلى أجزاء، فيأخذوا ما يحبون ويتركوا ما لا يحبون، تمامًا كالذين في عصرنا الحاضر الذين أرادوا أن يأخذوا من الدين العقيدة -زعموا- ويردُّوا الشريعة، وهم في الحقيقة من أفسد الناس اعتقادًا.
فهؤلاء أطلقوا على العقيدة اسم الدين، وجرّدوا الشريعة من الدخول في اسم الدين، والله -عز وجل- ردّ هذه الدعوى في كتاب بقوله: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [1] ، وبقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا*أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [2] .
وهؤلاء يريدون أن يشقوا لهم شق داخل هذا الدين، ويردون أن يمسكوا أي ممسك حتى يتهربوا من الأمر والنهي، ويريدون أن يأخذوا أي حجة ليسقطوا عنهم التكاليف الشرعية؛ وهؤلاء قال عنهم الله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا) ، فالله -عز وجل- أراد أن يخبرنا أن صورة الكفر الفعلية تتمثل في هذا الفعل، فليس للكفر صورة أوضح وأشمل من هذا الصورة؛ الإعراض عن حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
(1) سورة البقرة\95.
(2) سورة النساء\150 - 151.