"ومن ذلك قولهم: (إن هذه الآية نزلت في فلان وفلان) فبهذا يمثل بمن نزلت فيه نزلت فيه أولا وكان سبب نزولها لا يريدون به أنها آية مختصة به كآية اللعان وآية القذف وآية المحاربة ونحو ذلك. لا يقول مسلم إنها مختصة بمن كان نزولها بسببه، واللفظ العام وإن قال طائفة إنه يقصر على سببه فمرادهم على النوع الذي هو سببه لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص واحد من ذلك النوع. فلا يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت وآية اللعان لم يدخل فيها إلا عاصم بن عدي أو هلال بن أمية، وأن ذم الكفار لم يدخل فيه إلا كفار قريش؛ ونحو ذلك مما لا يقوله مسلم ولا عاقل. فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرف بالاضطرار من دينه أنه مبعوث إلى جميع الإنس والجن والله تعالى خاطب بالقرآن جميع الثقلين كما قال: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [1] . فكل من بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره الرسول به. والإنذار هو الإعلام بالمخوف والمخوف هو العذاب ينزل بمن عصى أمره ونهيه. فقد أعلم كل من وصل إليه القرآن أنه إن لم يطعه وإلا عذبه الله تعالى وأنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى. وهو قد مات فإنما طاعته باتباع ما في القرآن مما أوجبه الله وحرمه وكذلك ما أوجبه الرسول وحرمه بسنته. فإن القرآن قد بين وجوب طاعته وبين أن الله أنزل عليه الكتاب والحكمة وقال لأزواج نبيه (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [2] " [3] اهـ.
(1) سورة الأنعام\19.
(2) سورة الأحزاب\34.
(3) مجموع الفتاوى 16\ 148.