فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 698

ولا يوجد اثنان من العرب يختلفان، أن الذهن ينصرف أول ما ينصرف عندما يقرأ هذه الآية: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) إلى الكفر الأكبر؛ فمن القاعدة الأولى التي ذكرنها يجب صرف الكلام إلى ظاهره، وتأتي هذه القاعدة الثانية متممة ومكملة وموضحة، فعرف الشارع أنه يقصد بالكفر المعرف الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإلا كان الكلام تلبيس وتدليس كما ذكر ابن القيم، وهذا الكلام مبني على قاعدة عقلية، وهي أن المتكلم إذا أراد أن يعبر عن معنى في نفسه ويوصله للسامع، فهل يختار اللفظ الذي يحتمل معنيين؟ أم يختار اللفظ الذي يحتمل معنى واحد؟

هذه مسألة بديهية أنه لن يستخدم اللفظ الذي يحتمل معنيين؛ حتى لا يجعل السامع مشوش لا يعرف ماذا يريد المتكلم، بل سيستخد لفظ واحد يعطيه الرسالة بمضمونها؛ والله -سبحانه وتعالى- لا يريد منّا عندما أنزل لنا هذه الظواهر من النصوص أن نتخبط، بل أراد منا أن نهتدي سيبيلًا، الله -سبحانه وتعالى- أنزل هذا الكتاب بلسان عربي مبين؛ حتى لا نحتار وحتى لا نختلط، وحتى يكون الحق أوضح الواضحات، فنأخذه طريقًا ومنهجًا.

فإذا أراد متكلم من لفظ المعنى المجازي ولم يرد المعنى الحقيقي، فيجب عليه أن يقرن هذا اللفظ بقرينة صارفة؛ حتى لا يحتار السامع وحتى يهتدي، فإذا أردت أن تصرف لفظ في النص إلى معنى مجازي، فلابد أن تأتي من النص بقرينة صارفة؛ فهل هناك قرينة صرفت الكفر في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) إلى الكفر المجازي، حتى الذين قالوا بالكفر المجازي لم يجدوا قرينة، إلا استشهادهم الضعيف الواهي بأثر ابن عباس (كفر دون كفر) والذي سيأتي في حينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت