فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 698

ونفس الكلام يذكره لنا شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه، فيقول -رحمه الله-: (أن اللفظ إذا تكرر ذكره في الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد، وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق ولم يبين ذلك؛ كان تدليسا وتلبيسا يجب أن يصان كلام الله عنه) [1] ا. هـ.

فيجب أن ننزه كلام الله عن التدليس، فإذا قلنا أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأصغر، فهذا اتهام لله -سبحانه وتعالى- واتهام لكتابه بالتدليس والتلبيس؛ لأن الآية لم تحتوي ولا قرينة واحدة على أن الكفر المذكور هو الكفر الأصغر، بل سيأتي معنا أن القرائن كلها مجتمعة متعاضدة، على أن الكفر المراد هو الكفر الأكبر؛ سواء في هذا النص -كما سنبين- أو في قرائن أخرى، كقرينة سائر النصوص أو قرينة الإجماع أو قرينة تفسير الصحابة والتابعين.

ويقول كذلك ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (واللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها يتكلم، وهي عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه ... ؛ ولهذا ينبغي أن يقصد إذا ذكر لفظ من القرآن والحديث أن يذكر نظائر ذلك اللفظ؛ ماذا عنى بها الله ورسوله، فيعرف بذلك لغة القرآن والحديث وسنة الله ورسوله التي يخاطب بها عباده، وهي العادة المعروفة من كلامه) [2] ا. هـ.

وهذه القاعدة مهمة جدًا؛ فلا نستطيع أن نفسر الألفاظ و النصوص دون أن نعرف عرف الشارع في هذه الألفاظ، ولهذا وقعوا المرجئة في الخطأ البين عندما فسّروا الإيمان بالتصديق، ولم ينظروا إلى كيفية استعمال الشارع لهذا اللفظ؛ فالشارع كان يستخدم لفظ الإيمان في الكتاب والسنة بطريقة معنية، تختلف تمامًا عما في أذهانهم، كان يستخدمه في معنى خاص وعرف خاص: هو ما يسمى بالمعنى الشرعي؛ يتضمن الاعتقاد والقول والعمل، فلا بد من معرفة المعنى الشرعي أولًا حتى نفهم النصوص.

(1) مجموع الفتاوى 6\ 471.

(2) مجموع الفتاوى 7\ 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت