فهرس الكتاب
فأصحاب هذا القول وقعوا في التناقض، وكذلك كل من أوّل يقع في التناقض، فكما المعتزلة والأشاعرة والماتريدية في التناقض فكذلك وقع هؤلاء المؤوّلة في التناقض؛ فأولوا هذه الآية على مرتكب الكبيرة، رغم أن هذه الآيات صريحة واضحة في الكفر المخرج من الملة، ولذلك يقول الشيخ السعدي في تفسيره لهذه الآية: (( وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) [1] ،كقوله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [2] .) [3] اهـ.
وهذه الآية: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [4] نزلت في أبي طالب، أي في حق صاحب الكفر الأصلي الموجب لصاحبه الخلود في نار جهنم؛ فهل يقال في مرتكب الكبيرة (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [5] ؟ وهل يقال في صاحب الكبيرة أن الله أراد فتنته؟ هذا الأمر لا يقع إلا على أصول الخوارج الذين حكموا على مرتكب الكبيرة بالخلود في النار، فوقعوا في التناقض.
وهناك حالة مشابهة في نفس الموضوع، تُبيّن لنا أن هذه الآية لا تقال أبدًا في حق مرتكب الكبيرة؛ وهو أن الله تعالى قال في أقوام: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [6] ، فما الذي يحول بين العبد والتوبة، إلا أن يكون -كما في تلك الآية- ممّن ختم الله على قلبه، فأوجب له الخلود في النار؛ وحكم بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يملك له من الله شيئًا ولا يستطيع أن يهديه.
(1) سورة المائدة\41.
(2) سورة القصص\ 56.
(3) تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1\ 231.
(4) سورة القصص\ 56.
(5) سورة القصص\ 56
(6) سورة النساء\64.