في هذا إشارة واضحة للعلماء والمتحدثين باسم الإسلام، بأن لا تخافوا في الله لومة لائم، واصدحوا بحكم الله في هؤلاء، وقولوا أنهم كفار مرتدون، والثانية: إياكم أن تؤثروا الدنيا على الآخرة، وإياكم أن تتركوا الآخرة بثمن بخس، وكل الدنيا ثمن بخس بجانب الآخرة، وإياك أيها العالم الذي تصدرت للفتوى، أن تداهن في دين الله، وإياك أن تسكت مجرد سكون عن بيان حكم الله.
فجاء قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) مباشرةً بعد ذكر هاتين الصفتين؛ فاصدعوا بها خفاقة عالية، ولا تخشو في الله لومة لائم، ولا تشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، ولو كان مقابل مجرد إيثار الدعة والراحة، فهذا من شراء الدنيا والآخرة، فالذي يعرض عن الدليل فهو من اشترى الدنيا بالآخرة، فهو مقام جليل شاء من شاء وأبى من أبى.
إلى ديان يوم الدين نمضي ** وعند الله تجتمع الخصومُ
ستعلم في الحساب إذا التقينا ** غدا عند الإله من الملومُ
وقد ذكر الله -عز وجل- هاتين الصفتين، بعد أن ذكر السبب باختصاص هذه الفئة بتلك الميزة وتلك الفضيلة: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) ، ولكن الله -عز وجل- بين أنه تكليف وليس تشريف، ولذلك قال: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) ؛ فهذه المنزلة العالية وهذه الفضيلة لها ضريبة، لابد أن تؤدّى ولا بد أن تدفع، فالذي يريد أن يكون وارثًا للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، لابد عليه أن يدفع الضريبة التي دفعها هو بنفسه -عليه الصلاة والسلام-، أشرف الخلق على ربه، أوذي وطرد من بيته وبلاده وهاجر؛ فأين علماؤنا من هذا؟ فالأمر لا يحتمل المجاملة، ولسنا في صدد إصدار أحكام على أحد، ولكن الأمر جلل ويحتاج مصارحة.