يقول سيد قطب -رحمه الله- في الظلال في تفسيره لهذه الآيات: (ولقد علم الله- سبحانه- أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه -في كل زمان وفي كل أمة- معارضة من بعض الناس، ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام؛ ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث. ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله؛ وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت. ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة؛ وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال. ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها؛ وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض. علم الله- سبحانه- أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات، وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة وأن يصمدوا لها، وأن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال، فهو يناديهم:(فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ... ) ) [1] اهـ.
وكون الحكم بما أنزل الله ستواجهه كل هذه الحرب الطاحنة، فهذا إشعار وتنبيه وإيقاظ لمعسكر الإيمان، يقول لهم انظروا إلى أهل المعسكر الأول كيف قاموا قومةَ رجلٍ واحد، دافعًا عن باطلهم وعن أهوائهم وعن كفرهم وردتهم، فماذا ينتظر منكم وأنتم أهل الحق؟ لا ينتظر منكم أقل من أن تقفوا نفس الموقف الذي وقفه هؤلاء دفاعًا عن باطلهم، ولهذا جاءت هذه الآية؛ (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ) ، لا تخافوا من هذه الحملة الشرسة، ولا تخافوا من شتى الجبهات وإن كان على رأسها من كان، واجهروا بكلمة الحق وأدّوا الأمانة التي فرضها الله عليكم.
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب 2\ 897.