وللإمام ابن القيم كلام في منتهى النفاسة في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [1] ، وانظر للمثل الذي ضربه الله -سبحانه وتعالى- للعالم، فأنزله من القمة الساحقة التي كان فيها إلى أسفل السافلين، فضرب له مثلًا بأخص مخلوقاته؛ لأنه المقام الذي كان فيه، وكان يقتضي منه أن يضحي بكل شيء في سبيل أن يحافظ عليه.
يقول ابن القيم في كلام رائع طويل رائع: (فكل من آثر الدنيا عن الآخرة فلا بد أن يقول على الله بغير علم؟) [2] اهـ.، وهي قاعدة لا تنخرم؛ ولذلك جاءت تلك الآيات هنا في سياق الحديث عن الحاكمية.
يقول إسحق: دخل أحمد الكير فخرج ذهبًا خالصًا؛ لذلك استحق أن يكون إمام أهل السنة والجماعة، وكما قال بشر: (إن أحمد قام مقام الأنبياء) .
ولو أردنا أن نتكلم عن الفتاوى المدخولةالتي ذكرها سيد لطال بنا المقام، فالفتاوى المدخولة في واقعنا صار يسير بها الركبان، وصارت حديث الركب وحداء السائرين؛ والعجب والعجاب في واقعنا المعاصر، أنه صارت الفتاوى تتغير من حين لحين، مع أن نفس المناط في الفتوى القديمة هو نفس المناط في الفتوى الجديدة، ولم يتغير شيء إلا الأحوال الجوية، فمع الأحوال الجوية تتغير الفتاوى الشرعية!
يقول الشاعر:
يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما ** رأوا رجلًا عن موقفِ الذلِّ أحجما
إذا قيلَ هذا مَنهلٌ قلتُ قد أرى ولكنَّ نفسَ الحرِّ تَحتَملَ الظَّمَا
(1) سورة الأعراف\175 - 176.
(2) لم أجده.