والرواية الثانية هي في ذكر سبب النزول الثاني في ذكر الطائفة العزيزة والذليلة واختلافهم في الدية، فالذي روى لنا هذا السبب هو ابن عباس، فهذه الرواية تفرد بها ابن عباس، فروى الإمام أحمد في مسنده [1] والنسائي وأبو داود وابن حبان، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (2222) ؛ قال عن ابن عباس قال: (إن الله -عز وجل- أنزل:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْكَافِرُونَ) وَ (أُولَئِكَ هُمِ الظَّالِمُونَ) وَ (أُولَئِكَ هُمِ الْفَاسِقُونَ) ، أنزلها الله في الطائفتين من اليهود ... ).
ففي كلام ابن عباس تصريح واضح أن الكفر المذكور في الآيات هو الكفر الأكبر، بل كذلك تصريح منه كذلك بأن الظلم والفسق والكفر كلها بمعنى واحد، وهو الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ ثم قال ابن عباس في آخر الأثر زيادة في التأكيد: (فيهما والله نزلت وإياهما عنى الله -عز وجل-) .
وليس هذا فقط ما ورد عن ابن عباس أن الكفر المذكور هو الكفر الأكبر، وإنما هناك رواية عجيبة ولكنها قليلة الانتشار بين أهل العلم، ذكرها الإمام النسائي في سننه، في باب تأويل قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ؛ عن ابن عباس قال:
(كانت ملوك بعد عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة قيل لملوكهم: ما نجد شتما أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرءون:(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [2] ، وهؤلاء الآيات مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم، فجمعهم، وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها ... ) [3] .
(1) حديث رقم (2212) .
(2) سورة المائدة\44
(3) سنن النسائي (5400) .