وهذه الرواية مصرحة أن هذه الآية (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون) ليس بمعناها فقط بل لنصها كانت مذكورة في التوراة؛ وهذا يؤكده ما ذكرناه من قبل أن الأديان الثلاث تواطأت واتفقت، أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر مخرج من الملة، وهذا يؤكده أن مسائل الاعتقاد لا تتغير من نبي لآخر، وهذا يؤكده ويقرره ما ذكرنا من الإجماع المركب الذي ذكره ابن تيمية، أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر بإجماع مركب عن المسلمين واليهود والنصارى.
وهذه الرواية مرجحة أن الكفر المذكور هو الكفر الأكبر من خلال قرائن ثلاث؛ القرينة الأولى: أنهم قالوا: (بدّلوا) ، والتبديل كفر أكبر مخرج من الملة بالإجماع، القرينة الثانية: أنهم قالوا: (ما نجد شتما أشد من شتم يشتمونا هؤلاء) ؛ فوصفوا هذا الآية (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون) ، وأعلى درجة في السب الشتم هي الاتهام بالكفر الأكبر، ونحن فصلنا في هذا الأمر ووضحناه، عندما تحدثنا عن دلالة اللغة التي صيغت بها تلك الآيات؛ وقلنا أن البناء اللغوي للآية يدل على أعلى درجة في الكفر، وأنهم بلغوا غاية الكفر وأنهم مختصون به، فالبناء اللغوي يؤكد هذا المعنى.
القرينة الثالثة: أن الملك عرض عليهم القتل أو يرجعوا إلى هذا الدين المحرف، والتهديد بالقتل لا يكون برمي هذه الطائفة المذمومة بالكبيرة والمعصية، وإنما التهديد بالقتل دليل على أن المؤمنين كانوا يكفرون هذه الطائفة ويخرجونها عن الدين.