فهرس الكتاب
وفتوى ابن كثير هي ليست فتوى خاصة بالتتار، بل هي فتوى عامة في كل من تلبس بمثل فعلهم؛ ونفس الصورة التى ذكرها ابن كثير عن التتار، هي نفس الصورة التي ذكرها ابن كثير أيضًا عن اليهود؛ فقال في نفس المجلد عن صفة فعل اليهود: (نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله -عز وجل) [1] ، فصفة فعل اليهود هي نفس صفة فعل التتار، وهي بعينها نفس صفة فعل الحكام المعاصرين، بل حكام اليوم كما سيأتي معنا أشد وأنكى.
فنقول لدينا في هذه المسألة إجماع منعقد مقرر لا يعرف له انخرام، وأول من نقل لنا الإجماع على كفر الحاكم المشرع المستبدل، هو شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله وقدس روحه-؛ وقد كان -رحمه الله- عالم يعيش عصره، فلم ينعزل في برج عاجي لا يدري ما يدور بين الناس، فعندما داهمت الديار الإسلامية فتنة التتار، كان هو الفاعل المسعر للحرب، وكان يعيش بين الناس ويعلم ما يدور بينهم، بل كان على معرفة تفصيلية بأحكام التتار، بل ذهب أبعد من ذلك، وله مناظرة مشهورة مع غازان ملك وسلطان التتار في تلك الفترة؛ الشاهد أن الرجل كإمام وكعامل كان يعيش عصره، وقد أخذت منه تلك الفتنة جهد طويل، سواء من الناحية العملية أو من الناحية النظرية؛ فالمجلد الثالث والعشرين يدور في مجمله حول الحكم على هؤلاء التتار، والحديث عن هذه المحنة، وكذلك المجلد الخامس والثلاثين في أجزاء كثيرة منه يدور ويتحدث حول التتار، وما أصاب الإسلام والمسلمين على أيديهم.
(1) تفسير إبن كثير ط دار الكتب العلمية 3\ 102.