فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 698

وهذه الأمور بدهيّة عند أهل السنة والجماعة وعند من ينتسب للمذهب السلفي، فالخلاف الذي يعرف بين أهل السنة والجماعة وبين المرجئة كان حول الإيمان وكذلك كان حول حقيقة الكفر، فكما أن المرجئة أخطؤوا وضلوا في تصورهم لحقيقة الإيمان فحصروا الإيمان في التصديق فقط؛ فكذلك أخطؤوا وضلّوا في تصورهم لحقيقة الكفر فحصروا الكفر في التكذيب فقط، وهذه نتيجة منطقية بناءًا على المقدمة التي وضعوها.

أما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم إعتقاد وقول وعمل، وينبني على ذلك نتيجة منطقية وهي أن الكفر عندهم إعتقاد وقول وعمل، فمن يقول أن الكفر محصور بالتكذيب فقط فهو يستن بسنة المرجئة رغم أنه يَدِّعِي أن الإيمان إعتقاد وقول وعمل، فهذا من التناقض أن يُقرّر أن الإيمان إعتقاد وقول وعمل ثم يقال أن الكفر -والذي هو نقيض الإيمان- هو التكذيب، فهذا بعينه مذهب الجهم بن صفوان، فهو ليس مذهب المرجئة وإنّما مذهب غلاة المرجئة الجهميّة.

وقد أوضح هذه المسألة شيخ الإسلام إبن تيمية بما لا مزيد عليه في أكثر من كتاب من كتبه، يقول رحمه الله في كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية) :"ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم وسائر الطوائف، إلا الجهم ومن وافقه كالصالحي والأشعري وغيرهم." [1] اهـ.

ويدخل في قول إبن تيمية و"غيرهم"أفراخ المرجئة الذين يقولون بنفس المقولة في يومنا هذا.

ويقول إبن تيمية كذلك في كتابه النفيس (درء تعارض العقل والنقل) :"الكفر يكون بتكذيب الرسول -صلى الله عليهم وسلم- فيما أخبر به أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم." [2] اهـ.

(1) كتاب (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية) لإبن تيمية 5\ 251.

(2) كتاب (درء تعارض العقل والنقل) لإبن تيمية 1\ 242:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت