ومنه قوله تعالى: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم} [1] فقوله:"يسومونكم سوء العذاب"دلالة عامة تحمل في طياتها جميع ألوان العذاب المحتملة فـ (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) داخلة في عموم قوله"يسومونكم سوء العذاب". فقد خصص ألوان العذاب بعد أن كانت عامة، دلالة على مدى إجرامهم فهم يعتدون على الأبناء فلذات الأكباد بالذبح، وينتهكون حرمة الأعراض. فهل بعد ذلك عذاب؟! وذكر ابن جني [2] (ت 392 هـ) في الخاطريّات أن قوله تعالى:"يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم"تفسير لقوله:"يسومونكم سوء العذاب"قال: ومتى كانت الجملة تفسيرًا لم يحسن الوقوف على ما قبلها دونها؛ لأن تفسير الشيء لاحق به ومتمم له"، وإلى مثل هذا ذهب الميداني [3] ."
وذلك في قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [4] .
فقوله:"تلك عشرة كاملة"إجمال بعد تفصيل، فبعد أن فصل بقوله"ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم"أجمل بقوله:"تلك عشرة كاملة"، وذلك لدفع توهم أن (الواو) في قوله"وسبعة إذا رجعتم"هي بمعنى (أو) فتكون
(1) سورة البقرة، الآية 49. وانظر شواهد أخرى: 96، 98، 102، 238.
(2) الخاطريّات / ابن جني، تحقيق: علي ذو الفقار شاكر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1988 م ص 39.
(3) البلاغة العربية / عبد الرحمن الميداني 2/ 96 - 97.
(4) سورة البقرة، آية 196.