جاءت (لا) مقحمة في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم:"ابغني أحجارًا استنفض بها- أو نحوه- ولا تأتني بعظم ولا روث" [1] . فقد تكررت (لا) على نية تكرر العامل، وكأن التقدير:"لا تأتني بعظم ولا تأتني بروث"، ولكن لجأ إلى تكرار (لا) إيذانًا بتكرار العامل، وأرى أن (لا) في مثل هذا النمط تعد مقحمة يمكن الاستغناء عنها؛ لأن العامل واحد. وله نظائر، فقد جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يلبس المُحْرِمُ القميصَ ولا العمامة ولا السراويل ولا البُرنُس ولا ثوبا مَسَّه زعفران ولا ورْسٌ ولا الخفين إلا لمن لم يجد النعلين، فإن لم يجدهما فليقطعهما أسفل من الكعبين" [2] .
فالمعطوفات تشترك في عامل واحد هو (لا يلبس) لذا تكون (لا) هنا مقحمة، والتقدير: لا يلبس المحرم القميص والعمامة والسراويل ... ، كما في الحديث نفسه دون (لا) . قام رجل فقال: يا رسول الله، ما تأمرنا أن نلبس إذا أحرمنا؟ فقال:"لا تلبسوا القميص والسراويل والعمائم والبرانس والخفاف إلا أن يكون رجل ليس له نعلان فليلبس الخفين أسفل من الكعبين" [3] .
وتُكرَّر (لا) مع العامل إذا اختلف، نحو: قول الرسول:"إذا بال أحدكم فلا يأخذنّ ذكره بيمينه ولا يستنج بيمينه ولا يتنفس في الإناء" [4] . فتغير العامل يوجب تكرار (لا) .
اتخذ إقحام (ما) في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم:"نهجًا جديدًا، وجاء إقحامها بصيغ تدعو إلى التأمل. فقد جاءت (ما) مقحمة مع (أيكم) في الحديث:"إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة" [5] . فإقحام (ما) مع"
(1) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة، حديث رقم: 155.
(2) صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب: العمائم، حديث رقم: 5806.
(3) صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب: السراويل، حديث رقم: 5805.
(4) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال، حديث رقم 1540.
(5) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب: يقوم عن يمين الإمام، حديث رقم: 702، ورقم: 6110.