فالمتأمل في آيات سورة البقرة يجد كلامًا مؤكدًا مساويًا للمعنى المقصود بيانه؛ لأنه كلام الله تعالى المعجز الذي يظهر فيه النظم والإعجاز، فما من لفظة إلا تحمل معنى، وما من زياد إلا لدلالة اقتضاها السياق، وما نقول عنه إنه مقحم أو مزيد فبالنظر إلى أصل التركيب النحوي ليس غير. فكل زيادة في المبنى يتبعها زيادة في المعنى. وهذا من قدرة الله تعالى على المطابقة لمقتضى الحال. والقدرة على المطابقة التامة بين الجمل المنطوقة والمعاني المرادة منها، فهي من القدرات النادرة في المتكلمين من الناس [1] ؛ لأن الناس في النسبة العظمى منهم.
1 -إمّا أن يكونوا من ذوي القدرة على الكلام والرغبة فيه مع تمتعهم بذاكرة كلامية واسعة وفياضة، فتفيض لديهم منابع القول، وبذلك يزاد المنطوق من كلامهم عمّا يريدون التعبير عنه من المعاني، وقد يصل بعضهم إلى مستوى الإسراف والتبذير في القول، والثرثرة بلا طائل.
2 -وإمّا أن يكونوا ميالين إلى قلة الكلام، ويختارون أقله للتعبير عمّا يريدون.
3 -وهناك مجموعة ثالثة وهم قلة نادرة من الناس يختارون الكلام المساوي تمامًا للمعاني.
والقدرة التامة على المطابقة بين اللفظ والمعنى لا تكمن إلا في الأسلوب القرآني، فالألفاظ فيه بقدر المعاني، وتجري على نسق غاية في البلاغة والفصاحة خارج عن المألوف من نظام جميع كلام العرب، فله أسلوب يختص به ويميزه عن سائر الكلام، فلا هو بالشعر ولا بالنثر. لكنك لو تأملت
(1) البلاغة العربية / عبد الرحمن الميداني 2/ 16.