جاءت الباء مقحمة مع مفعول الفعل (مسح) ، وذلك في عدد من الأحاديث [1] ، مع أن هذا الفعل يصل إلى مفعوله دون الحاجة إلى الباء، ومن هذه الأحاديث: ... عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء، فمضمض بها واستنشق ... ثم مسح برأسه ..." [2] ."
فقد اقترنت (الباء) بمفعول (مسح) ، وأمام هذا الاستخدام للفعل (مسح) ، اختلفت الآراء وتنوعت ونشأ عنها اختلافات فقهية في دلالة المسح، وفي القدر الذي يقع عليه المسح، ومرجع هذه الخلافات ورود مفعول الفعل (مسح) مقترنًا بالباء خاصة في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [3] فقد احتوت الآية دليلًا قطعيًا في وجوب المسح في الوضوء، لم يختلف فيه الفقهاء، ودليلًا ظنيًا في الدلالة على المقدار الذي يُمسح، وهذا موطن الخلاف؛ لتعدد معنى (الباء) [4] .
فقد عدّ بعضهم الباء زائدة مؤكدة، في حين رأى بعضهم أنها تفيد التبعيض أو أنها للإلصاق، وذكر الزمخشري [5] (ت 538 هـ) أن المراد إلصاق المسح بالرأس، وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه. وبين القرطبي [6] (ت 671 هـ) أن العلماء أجمعوا على أن مَن مسح رأسه كله فقد أوفى وفعل ما يلزم، والباء زائدة مؤكدة، ولا تفيد
(1) انظر: صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة، حديث رقم 140، وانظر: شواهد أخرى: 159، 164، 191، 5798.
(2) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة، حديث رقم 140.
(3) سورة المائدة، آية 6.
(4) أصول الفقه الإسلامي/ أحمد محمود الشافعي، ص 51.
(5) الكشاف / الزمخشري 1/ 610، وانظر: بناء الجملة في أحاديث الموطأ المرفوعة /هداء أحمد البس، جامعة اليرموك، إربد 1991، ص 149.
(6) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 6/ 87 - 88.