فهي ليست بحروف زيادة أو حشو في الكلام، وإنّما هي حروف توكيد" [1] أقول: ومَنْ قال بأنها حروف زيادة أو حشو في الكلام بما تحمله هذه الألفاظ في ظاهرها؟! فالزيادة والحشو والتوكيد [2] مجرد مصطلحات لا يراد منها ظاهر لفظها، فالزيادة والإلغاء من كلام البصريين والحشو والصلة من كلام الكوفيين [3] ، ونقل السيوطي عن السخاوي:"من النحاة من قال في هذه الحروف إذا جاءت صلة لأنها قد وصل بها ما قبلها من الكلام، ومنهم من يقول زائدة، ومنهم من يقول لغو، ومنهم من يقول توكيد، وأبى بعضهم إلا هذا، ولم يجز فيها صلة ولا لغوا، لئلا يظن أنها دخلت لا لمعنى ألبتة" [4] ."
وأرى أن علماءنا عندما أطلقوا مثل هذه المصطلحات لم يقصدوا المعنى الذي يتبادر إلى الذهن من دلالتها اللفظية التي تضفي عليها طابع الفساد أو العبث. ولم أجد عالمًا من علمائنا إلا عنى بالزائد ما لا يتغير به أصل المعنى الذي تتضمنه التراكيب اللغوية التي هو فيها، ويظهر من وجوده أن التركيب يستغني عنه فلا حاجة له به إلا تأكيد المعنى وتقويته، وهذا ما نص عليه علماؤنا عندما عرضوا للحرف الزائد فقد بينوا أنه للتأكيد وتقوية المعنى، وهذا ما كان قائما في أذهانهم عندما أطلقوا هذه المصطلحات.
وبين ذلك السيوطي (ت 911 هـ) بقوله:"إنما سميت زائدة لأنها لا يتغير بها أصل المعنى بل لا يزيد بسببها إلا تأكيد المعنى الثابت وتقويته، فكأنها لم تفد شيئًا لما لم تغاير من فائدته العارضة الفائدة الحاصلة قبلها" [5] . فهي لو حذفت من التراكيب لم يتغير الكلام عن معناه الأصلي ووجوده في التركيب
(1) مشكلة الحرف الزائد / فارس بطانية ص 68.
(2) ذكر سيبويه أنها تكون توكيدًا ولغوًا، انظر: الكتاب / سيبويه 4/ 221، 225، 2/ 316.
(3) شرح المفصل / ابن يعيش 8/ 128.
(4) الأشباه والنظائر / السيوطي 1/ 253.
(5) المرجع السابق، 1/ 255.