-وقال الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-في: (تفسير القرآن العظيم) (1/ 519) بعد أن ذكر بعض معاني الآية: (والآية أعم من ذلك كلهِ، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا ... ) .
وقال سبحانه وتعالى في محكم كتابه: (الذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (سورة النساء، رقم الآية:75) .
قال الطبري-رحمه الله تعالى-في: (تفسير الطبري) (5/ 169) : (طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرع لأوليائه من أهل الكفر بالله ... ) -.
3 -الثالث: الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (سورة المائدة، رقم الآية:46) .
قال الإمام الحسن البصري-رحمه الله تعالى-كما في: (تفسير القرآن العظيم) (2/ 12) : (نزلت في أهل الكتاب وهي علينا واجبة) .
لأن الوارد على سبب خاص يُعمم، والعبرة بعموم اللفظ-على الراجح-لا بخصوص السبب، وإلا فكيف نجعل لغيرنا مثل سوء، ولأنفسنا مثلًا حسنًا، هي قسمة ضيزى إذنْ، فنفتح باب الأماني، وباب الخير لأنفسنا، وباب الشر والشرور والأضرار والأوضار لغيرنا، ما هكذا نفهم القرآن، وما هكذا نقوم بإنزاله وتنزيله، وما هكذا يكون تنقيح المناط، نستبعد الأوصاف القبيحة، ونلصقها بغيرنا ... !.
4 -الرابع: الذي يدعي علم الغيب [1] من دون الله-كالروافض،
(1) -وقد علق شيخنا العلامة الأديب محمد بوخبزة-حفظه الله تعالى-على هذه العبارة-وهو ادعاء علم الغيب-قائلًا:"هذه العبارة مخالفة للقرآن: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) (سورة الأعراف، رقم الآية:188) ، (قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (سورة النمل، رقم: الآية:67) ، والصواب أن يقول-بل: يحذفها على ما بعدها، ولكن المؤلف ممن يعتقد أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -يعلم الغيب حتى الخمس التي لا يعلمهن إلا الله كله-حتى الخمسة مفاتيح الغيب كما قال في بعض كتبه وقاله شقيقه عبد العزيز في: (الأربعين العزيزية) ... )."
ومرة قال شيخنا العلامة محمد بوخبزة-حفظه الله تعالى-: زعمهم أنه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يعلم الغيب، وزادوا أنه كان يعلم حتى الخمسة التي استأثر الله بها كما قال: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية، (سورة لقمان، الآية:33) .
وقال سيدنا الحبيب المصطفى-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: ( في خمس لا يعلمهن إلا الله) .
وقد قلت في كتابي: (حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين) (ص:273) -الطبعة الأولى-: أخرجه البخاري في مواضع من (صحيحه) في: (14 - كتاب الاستسقاء 29 - باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله،(3/ 220/221/رقم:1039 - مع الفتح) ، وفي: (64 - كتاب التفسير،6 - سورة الأنعام، 1 - وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، رقم:4627 وفي: 13 - سورة الرعد 1 - باب: الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام-9/ 284/رقم:4697 - مع الفتح) وفي 31 - سورة لقمان 2 - باب: قوله: (إن الله عنده علم الساعة، 366/رقم:3778) وفي: 96 - كتاب التوحيد،3 - باب: قول الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا-15/ 311/رقم:7379 - مع الفتح) .
ورواه مسلم في: (صحيحه) (1 - كتاب الإيمان، 1 - باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعًا، 1/ 152/153/ 154/155/ 156/رقم:8 - مع المفهم) ، وابن ماجه في: (1 - كتاب المقدمة، 9 - باب: في الإيمان 1/ 57/59/رقم:64) وفي: (36 - كتاب الزهد، 25 - باب أشراط الساعة،(3/ 435/رقم:4044) .
ورواه أحمد في مواضع من: (مسنده) (2/ 24/52/ 58) من طرق عن عبد الله بن دينار به.
وأخرجه البخاري مختصرًا (4778) ، وأحمد (2/ 85/86) ، والطبراني (13344) من طريق عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر به.
وأخرجه البخاري (4627) من طريق سالم عن ابن عمر به.
وأخرجه الطبراني (13246) من طريق الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عمر به.
وأخرجه ابن حبان في: (صحيحه) (70/ 71) من طريق إسماعيل بن جعفر به.
والبغوي في: (شرح السنة) وفي: (التفسير) (2/ 129) . وغيرهم.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد فقد زعم عبد العزيز بن الصديق الغماري في مقدمة كتابه: (الأربعون العزيزية) -بل: قد تبجح بهذا في عدة مواضع من كتبه فقد قال في كتابه: (السفينة) (1/ 42) : بأن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يعلم الغيب، ورد عليه فضيلة شيخنا العلامة أبي أويس هناك قائلًا: (وهذه شنشنة نعرفها من أخزم. فقد ألف المؤلف أربعين حديثًا سماها:(الأربعين العزيزية) في هذا الموضوع جلها واهٍ منكر صرح في أولها بمنكرات:
1 -منها: أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يعلم الغيب كله حتى الخمس التي أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.
2 -ومنها: أن تلك الأحاديث صحيحة لأن الواقع يشهد لها رغم أنها لا أصل لها أو: من رواية الوضاعين أو: المجاهيل، وهذا كما ترى تلاعب وهدم لأصول الحديث وقواعده، ثم إنه تراه يؤولها تأويلًا بعيدًا ويلوي أعناقها لتوافق أفهامه، ثم هو في كل هذا مقلد شقيقه سطا على جهوده وجمعه) -بعد أن قرر أن هذا ليس خاصًا بالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بل: كان الأقطاب من أمته يعلمون الخمس أيضًا) -.
انظر كلامًا جيدًا لشيخنا العلامة أبي أويس-حفظه الله تعالى-أيضًا في كتابه: (نقل النديم وسلوان الكظيم) (ص:74) ففيه الرد الشافي على من ادعى أن الأولياء يعلمون الغيب ... )، و (عجوه وحشف) (ص:33) وكذا ما علقه أيضًا على كتاب: (السوانح) لشيخنا عبد العزيز الغماري (ص:93) ، و (الجؤنة) (1/ 27/رقم:30) للشيخ أحمد الغماري، و (رونق القرطاس ... ) (ص:117) -انتهى من كتابي:"حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين) (ص:174/ 175) ."
وقال الغزالي في: (الإحياء) (3/ 28) - كما في كتابي: (حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين) (ص:106) الطبعة الأولى-: (إخبار رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عن الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن، وإذا جاز ذلك للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-جاز لغيره، إذ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-شخص مكاشف بحقائق الأمور، وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبيًا بل: يسمى وليًا ... وقال في آخر الباب: فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كافٍ للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها) .
قال ابن العربي في: (أحكام القرآن) (2/ 738/739) : (مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله لا أمارة عليها ولا علامة عليها إلا ما أخبر به الصادق المجتبى لاطلاع الغيب من أمارات الساعة، والأربع سواها لا أمارة عليها، فكل من قال: إنه ينزل الغيث غدًا فهو كافر، أخبر عنه بأمارات ادَّعاها أو: بقول مطلق، ومن قال: إنه يعلم ما في الرحم، فهو كافر ...
وأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو: أخبر عن الكوائن الجميلة أو: المفصلة فيما يكون قبل أن يكون، فلا ريبة في كفره أيضًا.
فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقال علماؤنا: يؤدَّب ويسجن، ولا يكفر أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب، وتقدير المنازل حسب ما أخبر الله تعالى في قوله جل وعلا: (والقمر قدرناه منازل) (سورة يونس، رقم الآية: 39) لحسابهم له، وإخبارهم عنه وصدقهم فيه توقف علماؤنا عن الحكم بتكفيرهم، وأما أدبهم، فلأنهم يدخلون الشك على العامة في تعليق العم بالغيب المستأنف ولا يدرون قدر الفرق بين هذا وغيره، فتتشوش عقائدهم في الدين وتتزلزل قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يُسِرُّوا ذلك إذا عرفوا ولا يعلنوا).